ذكر أحمد أمين: أن السلطات الحكومية من عهد المتوكل (^١) قد تَخَلَّت عن نصرة المعتزلة، وأغلبُ الناس يمالئون الحكومة أينما كانت، ويخافون أن يعتنقوا مذهبًا لا ترضاه، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال (^٢). وكلام أحمد أمين يوحي بأن الأشعري ليس وحده الذي ترك الاعتزال، بل غالب الناس تركوا الاعتزال من جراء هذا السبب. وقد علق جلال موسى على هذا الكلام فقال: إن هذا التفسير يعني: أن الناس إذا كانت قبلت مذهب الأشعري فلم يكن ذلك عن رضا واقتناع، وإنما لأن السلطات الحكومية ترغب ذلك وترضاه، ولأن دولة المعتزلة كانت قد ذلت، ولكن ذلك لا يقوم دليلًا على أن الأشعري ترك مذهب المعتزلة
_________________
(١) هو: أمير المؤمنين أبو الفضل جعفر بن المعتصم، محمد بن الرشيد العباسي، ولد سنة سبع ومائتين، وتولى الخلافة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن خمس وعشرين سنة. وقتل وهو ابن إحدى وأربعين سنة، في سنة سبع وأربعين ومائتين، فكانت خلافته أربع عشر سنة وتسعة أشهر. كان - ﵀ - من أهل الخير والصلاح، حيث أحيا الله به السنة وأمات التجهم، حتى رزق حب العامة له، بتركه الهزل واللهو. ذكر ابن كثير: - أنه رؤي في المنام، وهو واقف بين يدي الله، وسأله الرائي عمرو بن شيبان: - ما فعل بك ربك؟ قال غفر لي بقليل من السنة أحييتها. اهـ. قتل - ﵀ - مظلومًا على يد ابنه محمد: انظر ترجمته في شذرات الذهب ٣/ ٢١٨ والبداية والنهاية ١٤/ ٤٥٠ ومروج الذهب ٤/ ٣٦١.
(٢) ظهر الإسلام ٤/ ٦٠.
[ ١٤٢ ]
لأسباب سياسية (^١).
قلت: ولاشك بأن هذا التفسير غير مقبول لأسباب:
١ - إن وصف الإمام الأشعري بأنه غير عقيدته إرضاء للحاكم تهمة بلا دليل، وحكم على النوايا والخفايا التي لا يعلمها إلا الله.
٢ - إن المتوكل - ﵀ - توفي قبل مولد الأشعري بثلاث عشرة سنة، وأصبح الحكام من بعده يحرصون على نصر السنة. فالأشعري إذًا، ولد ونشأ ومات في عصر ارتفاع مقام أهل السنة، وظل هو مخالفًا لما هم عليه - أي أهل السنة - عشرات السنين. فدل على أن اعتزاليته كانت عن قناعة، وتحوله عن قناعة، فليس للحكومات في ذلك دور. بل لم يثبت أنه تعرض لأذى حاكم، حتى يقال إن هذا كان سببًا في التحول. والذي يظهر أن هذا السبب من أضعف الأسباب مع الذي قبله.