طور الاعتزال
لقد مر فيما سبق أن والده توفي عنه وهو صغير، وأوصى به إلى الإمام الساجي من أهل السنة والجماعة، ولكن والدته تزوجت بعد وفاة والده من أبي علي الجبائي وكان من رموز المعتزلة في ذلك الوقت، فاحتضن هذا الصبي ورباه على فكره، وهذا الطور لم أجد أحدًا خالف في أنه الطور الأول عند الأشعري، فقد أثبت جميع من ترجم للأشعري أن طوره الأول كان هو الاعتزال، حيث لم يشك أحد في هذا، وإليك أقوال أهل العلم في المسألة:
١ - أقدم هذه الأقوال ما ذكره ابن النديم في الفهرست، حيث قال عندما ترجم للأشعري: «وكان أولًا معتزليًا، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، رقى كرسيًا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي: أنا فلان ابن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، فخرج بفضائحهم ومعايبهم» (^١).
_________________
(١) انظر الفهرست لابن النديم ص ٢٢٥.
[ ١٠٦ ]
٢ - وقد أكد هذا القول الإمام أبو نصر السجزي - ﵀ - (^١) حيث ذكر في رسالته المسماة الرد على من أنكر الحرف والصوت نقلًا عن خلف المعلم (^٢)، بأن الأشعري أقام أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التَوْبَةَ، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول، وقال بعدها وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره (^٣).
٣ - كما أكد هذا التحول ابن الجوزي حيث قال - ﵀ - عندما ترجم له: «وكان على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا، ثم عَنَّ له مخالفتهم، وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة، وكان الناس لا يختلفون في أن هذا المسموع كلام الله، وأنه نزل به جبريل ﵇ على محمد -ﷺ-، فالأئمة المعتمد عليهم قالوا إنه قديم، والمعتزلة قالوا: هو
_________________
(١) هو: أبو نصر السجزي نسبة إلى سجزستان، الحافظ عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي البكري، نزل مصر. توفي بمكة بالمحرم، وكان متقنًا مكثرًا، بصيرًا بالحديث والسنة، واسع الرواية، رحل بعد الأربعمائة، فسمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر وروى عن الحاكم، وأبي أحمد القرطبي، وطبقتهما. ومن مصنفاته الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق، والرد على من أنكر الحرف والصوت، توفي - ﵀ - سنة ٤٤٤. انظر سير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٥٤ وشذرات الذهب ٥/ ١٩٤، الأعلام ٤/ ٣٩٤.
(٢) هو: أبو سعيد: خلف بن عمر، وقيل: عثمان، وقيل: عثمان بن خلف، كان إمام أهل زمانه بالفقه، وكان يعرف بمعلم الفقهاء، ولد سنة ٢٩٩ وقيل ٢٩٧، توفي سنة ٣٧١ وقيل ٣٧٣ وكان من علماء المالكية بالقيروان. انظر: الديباج المذهب ١/ ٣٤٧ وترتيب المدارك ٢/ ٤٨٨.
(٣) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٤٠ - ١٤١.
[ ١٠٧ ]
مخلوق، فوافق الأشعري المعتزلة في أن هذا مخلوق، وقال: ليس هذا كلام الله، إنما كلام الله صفة قائمة بذاته، ما نزل ولا هو مما يسمع، ومازال منذ أظهر هذا خائفًا على نفسه لخلافه أهل السنة. ثم ذكر قصة رجوعه وهو في المسجد، وقال بعدها: كان الأشعري تلميذ الجبائي يدرس عليه ويتعلم منه، لا يفارقه أربعين سنة، ثم قال بعد ذلك: قد رجعت عن الاعتزال (^١).
٤ - وأكد ذلك ابن خلكان أيضًا حيث قال: (وكان أبو الحسن الأشعري، أولًا معتزليًا، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة) (^٢)، ثم ذكر تمام القصة التي مرت معنا.
٥ - كما أكد ذلك أيضًا، عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي الحنفي. حيث قال: (كان حنفي المذهب، معتزلي الكلام، لأنه كان رَبيْبَ أبي علي الجُبائي، وهو الذي رباه وعلمه الكلام) (^٣)، ثم قال في موضع آخر: (ثم إنه فارق أبا علي لشيء جرى بينهما وانضم إلى ابن كُلاب (^٤)، وأمثاله،
_________________
(١) انظر المنتظم ١٤/ ٢٩، ٣٠، باختصار.
(٢) انظر وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٥.
(٣) انظر الجواهر المضية ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥.
(٤) هو عبد الله بن سعيد بن كلاب بن القطان البصري، أبو محمد ويقال عبد الله بن محمد، قال عنه الذهبي: - رأس المتكلمين في البصرة في زمانه، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم، أخذ عنه الكلام داود الظاهري، والرجل أقرب المتكلمين إلى السنة وصنف في التوحيد، وله كتاب الصفات، وكتاب خلق الأفعال، وكتاب الرد على المعتزلة، اهـ. وذكر بأنه لقب بالكلاب لقوة مناظرته، بحيث كان يجتذب من يناظره، كما يجتذب الكلاب الشيء، وقد علق الشيخ المحمود على هذا بقوله: ومما يلاحظ هنا أنه يقال له ابن كلاب - ليس كلابًا مما يدل على أن هذا اللقب ليس له وإنما لأبيه، وأحد أجداده وهذا يجعل التعليل الذي ذكروه محل نظر، ا. هـ انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٤، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٩٩ موقف ابن تيمية ١/ ٤٣٨.
[ ١٠٨ ]
وانشق عن أصول المعتزلة، واتخذ مذهبًا لنفسه، ورد على المعتزلة) (^١). كما أكد ذلك، الإمام ابن كثير، حيث قال: وقد كان معتزليًا قبل ذلك، فتاب منه بالبصرة (^٢).
٧ - وأكد ذلك الذهبي حيث قال: (وبلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبره بالبصرة، وقال: إني كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى بالأبصار وأن الشر فعلي ليس بقدر، وإني تائب معتقد الرد على المعتزلة) (^٣).
٨ - وذكر أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي، ذلك فقال: «وكان معتزليًا ثم تاب» (^٤).
٩ - كما ذكر القاضي شهبة رجوعه، فقال: (أخذ علم الكلام أولًا عن الجبائي شيخ المعتزلة ثم فارقه، ورجع عن الاعتزال، وأظهر ذلك
_________________
(١) انظر الجواهر المضية ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥ و٤/ ٣٣، ٣٤.
(٢) انظر البداية والنهاية ١٥/ ١٠١.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٩.
(٤) انظر النجوم الزاهرة ٣/ ٢٩٨.
[ ١٠٩ ]
وشرع في الردِّ عليهم، والتصنيف على خلافهم) (^١).
١٠ - وأكد ذلك أيضًا السبكي حيث قال: «قام على الاعتزال أربعين سنة، حتى صار للمعتزلة إمامًا، فلما أراد الله نصر دينه، وشرح صدره لاتباع الحق، غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يومًا، ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: - معاشر الناس! إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت، فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقد كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة إلى الناس» (^٢).
١١ - وذكر ابن العماد الحنبلي ما يؤكد ذلك، حيث قال: «إنه أخذ علم الجدل والنظر عن أبي علي الجبائي، ثم رد على المعتزلة، ثم ذكر قوله في كتاب الإبانة» (^٣).
١٢ - وذكر الزركلي ذلك فقال: - (وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم، ثم رجع وجاهر بخلافهم) (^٤).
_________________
(١) انظر طبقات الشافعية للقاضي شهبة ١/ ١١٤.
(٢) انظر طبقات الشافعية ٣/ ٣٤٨.
(٣) انظر شذرات الذهب ٤/ ١٢٩ - ١٣٠.
(٤) انظر الأعلام ٤/ ٢٦٣.
[ ١١٠ ]
١٣ - وقال الألوسي: والأشعري كان قد نشأ على الاعتزال، ثم ذكر القصة التي سبق ذكرها في رجوعه (^١).
١٤ - وقال أحمد أمين: إنه نشأ معتزليًا ولكنه تَحَوَّلَ (^٢). فهذه الأقوال جميعها تؤكد بأنه كان على مذهب أهل الاعتزال في بداية حياته، حتى بلغ الأربعين سنة في بعض الروايات. والخلاصة أن هناك روايتين:
الأولى: تقول بأنه ظل على الاعتزال أربعين سنة، وعلى هذه الرواية تكون سنه حين عودته فوق الخمسين؛ لأن الأربعين التي ظل فيها على الاعتزال يضاف إليها بضع عشرة سنة تلك التي كان فيها صغيرًا لا يتحمل أيًا من المذاهب والمعتقدات.
الثانية: تلك الرواية والتي تقول: «إنه ظل على الاعتزال حتى بلغ الأربعين ..» وعلى هذا لا يكون أبو الحسن ﵀ قد أمضى في الاعتزال أربعين سنة؛ بل انخلع عنه عند بلوغه الأربعين. فيحسم من هذه الأربعين بضع عشرة سنة، تلك التي كانت قبل القدرة على تحمل المذاهب والمعتقدات .. على هذا يكون أبو الحسن قد أنفق في الاعتزال حوالي ثمانية وعشرين عامًا.
_________________
(١) انظر جلاء العينين ص ٢٤٩.
(٢) ظهر الإسلام ٤/ ٥٩.
[ ١١١ ]