تلاميذه
من الأمور اللافتة للنظر أن الأشعري ﵀ لم يكن له في بداية حياته تلاميذ عندما كان في مرحلة الاعتزال، ولكن بعد رجوعه إلى المنهج الحق كثر أتباعه، وانكب الناس على التتلمذ على يديه. ومن الملاحظ أيضًا أن هذا الإقبال والانكباب اقتصر على علم العقيدة فقط، فلم يُعْرَفْ له تلامذة لا في الفقه ولا في الحديث ولعل السبب في ذلك يعود إلى:
١ - قلة بضاعته في علم الحديث.
٢ - عدم وجود مذهب فقهي خاص به، وإنما هو مقلد للشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة.
٣ - تميزه في علم العقيدة، وبروزه ومعرفته بخفايا ومثالب المعتزلة، شجع الناس على الإقبال عليه والوثوق بعلمه وبخاصة أن رجوعه إلى الحق وإعلان ذلك أمام الناس علانية يدل على شجاعة وعلى حب للخير. ولعل هذه الأسباب كافية فيما يظهر لي لأن تكون سببًا في إقبال الناس عليه وأخذهم العقيدة منه. وقد قسم ابن عساكر - ﵀ - تلامذة الأشعري وأتباعه إلى خمس طبقات:
الطبقة الأولى: حيث ذكر فيها أربعة من أصحابه الذين أخذوا عنه
[ ٤٩ ]
مباشرة أو ممن أدركه ممن قال بقوله أو تعلم منه، أدركوه وقالوا بقوله أو تعلموا منه.
الطبقة الثانية: ذكر فيها تسعة عشر من أصحاب أصحابه ممن سلكوا مسلكه في الأصول وتأدبوا بآدابه.
الطبقة الثالثة: ذكر فيها خمسة عشر من الأعلام.
الطبقة الرابعة: ذكر فيها ثمانية من العلماء المستبصرين بتبصيره وإيضاحه في الاقتداء والمتابعة.
الطبقة الخامسة: - ذكر فيها ستة عشر ممن أدرك بعضهم بالمعاصرة، وبعضهم الآخر بالرؤية والمجالسة (^١). وسوف أكتفي بذكر بعض تلامذته وخاصة الطبقة الأولى:
١ - أبو عبد الله بن مجاهد البصري (^٢): وقد نص على هذا التتلمذ الخطيب البغدادي حيث قال: محمد بن أحمد صاحب أبي الحسن الأشعري (^٣)، وابن
_________________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ص ١٧٧ - ٣٣٠.
(٢) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري، من أهل البصرة، سكن بغداد، توفي - ﵀ - سنة ٣٧٠ هـ. قال عنه الخطيب ذكر لنا غير واحد أنه كان حسن التدين جميل الطريقة - ﵀ -. انظر تاريخ بغداد ٢/ ٢٠٠، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٠٥، وتبيين كذب المفتري ص ١٧٧.
(٣) انظر تاريخ بغداد ٢/ ٢٠٠.
[ ٥٠ ]
عساكر حيث ذكره في أول الطبقة الأولى» (^١). والذهبي حيث قال: «الأستاذ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد صاحب أبي الحسن الأشعري» (^٢).
٢ - أبو الحسن الباهلي: (^٣) وقد عده من التلامذة ابن عساكر في التبيين، بل عده الرجل الثاني في الطبقة الأولى (^٤). وممن عده من التلامذة الذهبي، حيث قال عنه: «الباهلي العلامة، شيخ المتكلمين، أبو الحسن الباهلي البصري، تلميذ أبي الحسن الأشعري» (^٥). والسبكي عندما ذكر التلامذة قال: وأخصهم بالشيخ أربعة:
_________________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ص ١٧٧.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ١٦١/ ٣٠٥.
(٣) هو أبو الحسن الباهلي شيخ المتكلمين كان الإسفراييني يقول: أنا بجانب شيخنا أبي الحسن الباهلي كقطرة في بحر، وكان يرخي السترة بينه وبين تلامذته، حتى كان من شدة اشتغاله بالله مثل واله أو مجنون، وعندما كان يسأل عن سبب الحجاب كان يقول لتلامذته: إنكم ترون السوقة، وهم أهل الغفلة فتروني بالعين التي ترونهم، حتى إنه كان يحتجب من جاريته. قلت: ولاشك بأن هذا من الغلو، فقد كان الرسول ﷺ يرى أئمة الكفر ويرى من يرونهم وما احتجب عن ذلك. وما أظن ذلك من المناقب توفي - ﵀ في حدود سنة ٣٧٠ هـ، انظر: تبيين كذب المفتري صـ ١٧٨ وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٠٤.
(٤) انظر التبيين صـ ١٧٨.
(٥) انظر السير ١٦/ ٣٠٤.
[ ٥١ ]
١ - ابن مجاهد ٢ - أبو الحسن الباهلي، العبد الصالح (^١) - بندار بن الحسين خادم أبي الحسن (^٢). وقد نص على تتلمذه ابن عساكر في التبيين حيث عده الرجل الثالث في الطبقة الأولى (^٣)، وكذلك السبكي في الطبقات عندما قال: وأخصهم بالشيخ أربعة: ثم قال: والثالثُ بندار خادمه (^٤).
٤ - علي بن مهدي الطبري: (^٥) وقد نص على تتلمذه ابن عساكر حيث عده الرجل الرابع في الطبقة الأولى (^٦). والسبكي حيث قال: علي بن محمد أبو الحسن الطبري، تلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري، صحبه
_________________
(١) انظر طبقات الشافعية ٣/ ٣٦٨.
(٢) هو: أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي الصوفي سكن أرجان إحدى مدن فارس، كان خادمًا لأبي الحسن الأشعري وكان عالمًا بالأصول، وحدث عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي بحديث واحد، وكان من أصحاب الشبلي، وكان ذا أموال فأنفقها وتزهد، توفي في بندار سنة ٣٥٣ هـ وغسله أبو زرعة الطبري. انظر: التبيين ص ١٧٩ وسير أعلام النبلاء ١٦/ ١٠٨، وطبقات الشافعية ٣/ ٢٢٤.
(٣) انظر التبيين ص ١٧٩.
(٤) انظر طبقات الشافعية ٣/ ٣٦٨، ٣٦٩، ٢٢٤.
(٥) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن مهدي أبو الحسن الطبري. كان من المبرزين في عالم الكلام، وكان حافظًا للفقه وأيام العرب، وكان على مذهب الشافعي في الفقه، ذكر عمر كحالة بأنه توفي في سنة ٣٨٠ انظر: ترجمته تبيين كذب المفتري ص ١٨١، وطبقات الشافعية ٣/ ٤٦٦، ومعجم المؤلفين ٧/ ٢٣٤.
(٦) انظر التبيين ص ١٨١.
[ ٥٢ ]
بالبصرة وأخذ عنه (^١)، كما عده الرجل الرابع في الطبقة الأولى حيث قال: والرابع أبو الحسن الطبري (^٢). وهؤلاء هم الأربعة الأبرز، كما أن هناك بعض التلامذة ولعل من أبرزهم:
٥ - أبو بكر القفال: وكان من شيوخ الأشعري كما سبق أن مر معنا ومن تلامذته، ذكره ابن عساكر حيث قال: ومنهم أبو بكر القفال الشاشي الفقيه - ﵀- (^٣) ونقل السبكي أن الحافظ بن عساكر قال: «بلغني أنه كان مائلًا عن الاعتدال قائلًا بالاعتزال في أول أمره، ثم رجع إلى مذهب الأشعري» ولم أعثر على هذه العبارة عند ابن عساكر بنفس هذه اللفظة حيث زاد السبكي لفظة. ثم رجع إلى مذهب الأشعري (^٤).
٦ - أبو سهل الصعلوكي: (^٥) وقد نص ابن عساكر على تتلمذه على يد أبي الحسن حيث قال - حينما عدد تلامذته - قال: ومنهم أبو سهل
_________________
(١) انظر طبقات الشافعية ٣/ ٤٦٦.
(٢) انظر التبيين ٣/ ٣٦٩.
(٣) انظر التبيين ص ١٨٢.
(٤) انظر تبيين كذب المفتري ص ١٨٣.
(٥) هو محمد بن سليمان بن محمد الحنفي العجلي الصعلوكي النيسابوري، الفقيه الشافعي المتكلم ولد سنة ٢٩٦ هـ، سمع من إمام الأئمة بن خزيمة قال الحاكم: هو خير زمانه، توفي - ﵀ - في سنة ٣٦٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٣٥، وتبيين كذب المفتري ص ١٨٣.
[ ٥٣ ]
الصعلوكي النيسابوري (^١)، كذلك السبكي (^٢).
٧ - ابن خفيف (^٣): وقد نص على التتلمذ ابن عساكر في التبيين حيث قال عنه ما ذكره التلامذة ومنهم أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي (^٤) وقال السبكي عندما ترجم له: - رحل ابن خفيف إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأخذ عنه، وهو من أعيان تلامذته (^٥).
٨ - أبو زيد المروزي (^٦) وممن أثبت تتلمذه ابن عساكر حيث قال: ذكر أبو بكر بن فورك أنه ممن استفاد من أبي الحسن الأشعري من أهالي خرسان (^٧). والسبكي حيث قال: بعد أن عدد الآخذين عن الشيخ ومنهم الشيخ أبو زيد المروزي (^٨) مع ملاحظة أن الجزم بأن هؤلاء قد تلقوا العلم عنه مباشرة يحتاج
_________________
(١) انظر: تبيين كذب المفتري ص ١٨٣.
(٢) انظر: طبقات الشافعية ٣/ ٣٦٨.
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي شيخ الصوفية ولد سنة ٢٦٠ هـ. حدث عن حماد ابن مدرك، توفي سنة ٣٧١ انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٤٢، والتبيين صـ ١٩٠.
(٤) انظر التبيين صـ ١٩٠.
(٥) انظر طبقات الشافعية ٣/ ١٥٠.
(٦) هو أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي. قال عنه الذهبي: الشيخ الإمام المفتي القدوة الزاهد، حدث عنه الحاكم والدارقطني وآخرون ولد سنة ٣٠١ هـ. مات ﵀ بمرو سنة ٣٧١ هـ انظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣١٣، والتبيين صـ ١٨٨.
(٧) انظر: التبيين صـ ١٨٨.
(٨) انظر: الطبقات ٣/ ٣٦٨.
[ ٥٤ ]
إلى دليل، خاصة وقد بالغ ابن عساكر ﵀ في ذكرهم، وذكر أئمة أعلام لم يذكر من ترجم لهم هذا التتلمذ، مع أن ابن عساكر قد نبه على أن هذا التتلمذ قد لا يكون مباشرًا حيث قال: «وقد قسمتهم خمس طبقات، وجدتها على تصحيح قوله متفقات، فالطبقة الأولى هم أصحابه، الذين أخذوا عنه ومن أدركه ممن قال بقوله أو تعلم منه» (^١) وقد أوضح هذا المعنى السبكي حيث قال: وربما كان في هؤلاء من لم يثبت عندنا أنه جالس الشيخ، ولكن كلهم عاصروه، وتمذهبوا بمذهبه، وقرؤوا كتبه، وأكثرهم جَالسوه، وأخذوا عنه شفاهة (^٢). وفيما يظهر أن هناك تناقضًا بعبارة السبكي، حيث بين أنه لم يثبت عنده عن بعضهم المجالسة ثم قال: لأنهم كلهم عاصروه، وتمذهبوا بمذهبه، وقرؤوا كتبه، قلت: فكيف يُعد ذلك تلميذًا بمجرد قراءة الكتاب والتمذهب بالمذهب؟! فالتلميذ الحقيقي هو من أخذ عن الشيخ مباشرة وعاصره، وليس بمجرد قراءة كتابه أو التمذهب بمذهبه. وقد نبه الشيخ المحمود على أنه ليس كل من ذكر يُعد تلميذًا حيث قال: - أما من يسميهم ابن عساكر بالطبقة الأولى من أصحاب الأشعري فلم يثبت عنهم كلهم تتلمذهم عليه (^٣).
والخلاصة أن للأشعري - ﵀ - تلامذة كثر وأتباع أكثر، وقد
_________________
(١) انظر: تبيين كذب المفتري صـ ١٧٧.
(٢) طبقات الشافعية ٣/ ٣٦٨.
(٣) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة هامش ٥ في ١/ ٣٤٤.
[ ٥٥ ]
ذاع صيته في الآفاق، حتى كانت رسائل الاستفتاء ترد إليه، وإجابته بالرد عليهم مدونة كرسالته إلى أهل الثغر، بل كان يناظر أرباب البدع حتى قال أبو سهل الصعلوكي: «حضرنا مع الشيخ أبي الحسن مجلسًا بالبصرة، فناظر المعتزلة - خذلهم الله - وكانوا - يعني كثيرًا - فأتى على الكل وهزمهم، كلما انقطع واحد، تناول الآخر حتى انقطعوا عن آخرهم، فعدنا في المجلس الثاني، فما عاد منهم أحد» (^١). وقد كثر المنتمون للأشعري في الأقطار الإسلامية، وانتسب إليه الكثيرون من أصحاب المذاهب جلهم من الشافعية والمالكية والأحناف، أما الحنابلة فقلة قليلة. ولكن من الأُمور اللافتة للنظر أنَّ هناك الكثير من أهل العلم يُنسبون إلى الأَشاعرة لوجود التأويل عندهم في بعض الصفات، مع أنهم لا علاقه لهم بالأشعري، ومن هؤلاء ابن الجوزي، حيث نجده عندما ترجم للأشعري. ترجم له ترجمة الناقم عليه، لا المادح له، فضلًا عن عدم كونها ترجمة تلميذٍ لشيخه، وما أدل على ذلك من قوله: (وكان على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا، وتشاغل بالكلام، وأظهر مقالة، خبطت عقائد الناس، وأوجدت الفتن المتصلة ثم قال بعد ذلك: وقبره اليوم عافي الأثر، لا يلتفت إليه) (^٢)، ومما يؤكد ذلك أيضًا، أنه ترجم له ترجمةً لا تتجاوز الخمسةَ والعشرين سطرًا، فهل هذه ترجمةُ تلميذٍ لشيخه خاصةً وأنه صاحب قلمٍ سيَّال؟! وكتابُه المنتظم، شاهدٌ على ذلك، كما أنَّ ترجمته
_________________
(١) انظر طبقات الشافعية ص ٣٤٩.
(٢) انظر المنتظم ١٤/ ٢٩ - ٣١.
[ ٥٦ ]
للإمام أحمد بن حنبل (^١) - قدَّس الله روحه - كانت في مجلَّدٍ حافلٍ، وهذا يؤكد على أنه ليس أشعريًا، فموافقته لهم في بعض الأقوال، لا تعني انتسابه إليهم (^٢). وهذا يؤكد أن أكثر الناس ليسوا أشاعرة كما يُشاع، بل هذا أكثر الأشاعرة تعصبًا وهو الحافظ ابن عساكر يقول: «فإن قيل إن الجم الغفير في سائر الأزمان وأكثر العامة في جميع البلدان لا يعتقدون بالأشعري، ولا يقلدونه ولا يرون مذهبه، ولا يعتقدونه وهم السواد الأعظم وسبيلهم السبيل الأقوم: قيل لا عبرة بكثرة العوام …» (^٣).
_________________
(١) هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام: أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل ابن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي ربِّي - ﵀ - يتيمًا، حيث ولد في سنة أربع وستين ومائة، طاف - ﵀ - البلاد والآفاق لسماع العلم، وكان من أجل شيوخه الإمام الشافعي حيث روى عنه في المسند عشرين حديثًا كما روى عن سفيان بن عيينة، وعبد الرزاق والعشرات غيرهم. وروى عنه العشرات. منهم البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، امتحن ﵀ في مسألة خلق القرآن، فصبر وثبت حتى كان كالجبل، مما جعله لأهل السنة إمامًا، قال البخاري: - سمعت الطيالسي يقول: لما ضرب أحمد لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثة، وقيل عن صبره: نصر الله الدين بأبي بكر يوم الردة وبأحمد يوم المحنة، وقال علي بن المديني إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان. صنف - ﵀ - المسند والرد على الجهمية توفي - ﵀ - سنة إحدى وأربعين ومائتين ترجم له ابن الجوزي في مجلد كامل وعنون له بمناقب الإمام أحمد، انظر في ترجمته البداية والنهاية ١٤/ ٣٨٠/ ٤٢٩ كما ترجم له الذهبي في قرابة مائتي صفحة انظر سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨.
(٢) حيث ألّف كتابًا - أي ابن الجوزي - في مناقب الإمام أحمد، وحققه الدكتور عبد الله التركي، وهو من إصدارات دار هجر.
(٣) انظر التبيين ٣٣١.
[ ٥٧ ]