ظهرت هذه الفرقة الفاسدة، التي عم شرها وتمادى أذاها، وهذه الفرقة من فرق الباطنية (^١) وهم قوم تبعوا طريق الملحدين وجحدوا الشرائع، ويظهر خطر هذه الفرقة لأنها من الفرق الباطنية المتلونة فإنهم يدعون أن لظواهر
_________________
(١) الباطنية فرقة ضالة تؤمن بأن لكل ظاهر من الكتاب والسنة باطنًا، ولكل تنزيل تأويل، وظهرت هذه الفرقة في أيام المأمون وهي ليست من فرق الإسلام بشيء، وهم يسمون بالباطنية والقرامطة والمزدكية والخرمية والقرمطبة والخريدينية والإسماعيلية والسبعية، ومذهبهم ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، والباطنية القدامى يخلطون مذهبهم ببعض كلام الفلاسفة، ومن ذلك معتقدهم في الصفات وغيرها، وقد أسس هذه الجماعة ميمون بن ديصان المعروف بالقدَّاح، ومحمد بن الحسن المعروف بدندان، قال شيخ الإسلام: إن الباطنية قد يقال في كلام الناس على صنفين: أحدهما: من يقول: إن للكتاب والسنة باطنًا يخالف ظاهرها، فهؤلاء هم المشهورون عند الناس باسم الباطنية من القرامطة وسائر أنواع الملاحدة، وهذا الصنف قسمان: قسم يرون ذلك في الأعمال الظاهرة حتى في الصلاة والصوم والحج والزكاة وتحريم المحرمات من الفواحش والظلم والشرك ونحو ذلك، وقسم يقولون بالباطن المخالف للظاهر في العمليات وأما العمليات فيقرونها على ظاهرها وهذا قول عقلاء الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام مع أنهم في التزام الأعمال الشرعية مضطرون لما في قلوبهم من المرض والنفاق. والصنف الثاني: الذين يتكلمون في الأمور الباطنية من الأعمال والعلوم لكن مع قولهم إنها توافق الظاهر ومع اتفاقهم على أن من ادعى باطنًا يخالف الظاهر فهو منافق زنديق، فهؤلاء هم المشهورون بالتصوف عند الأمة. للمزيد: انظر بيان تلبيس الجهمية ٢/ ١٦٧ - ١٧٠ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ١١٩ - ١٢٠، المعجم الفلسفي ١/ ١٩٥، والفرق بين الفرق ٢١٣.
[ ٦٩ ]
القرآن والإخبار بواطن، وقد خدعوا الناس بإظهارهم الزهد والصلاح، ودخلوا على الناس، من خلال زعمهم ظلم الأمة لعلي بن أبي طالب ﵁ (^١) وقتلهم الحسين (^٢) وسبيهم لأهله كما أظهروا العفاف والتقشف وترك الدنيا والإعراض عنه الشهوات، وكانوا يأمرون كذبًا بالصدق والأمانة والأمر بالمعروف، فكانوا يتعاملون مع أهل المجون والخلاعة معاملة أخرى ويقرون عندهم أن العبادة بله والورع حماقة، وإنما الفطنة باتباع اللذة وقضاء الوطر، وقد يستصحبون من له صوت جميل في
_________________
(١) هو: أمير المؤمنين علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عم رسول الله ﷺ أول الناس إسلامًا في قول بعض أهل العلم ولد قبل البعثة بعشر سنين فربي في حجر الرسول ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك وقال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ وزوجه النبي ﷺ ببنته فاطمة، وقد زعمت الرافضة محبته ووضعوا له مناقب هو غني عنها، بل بالغ بعضهم وأنزله في منزلة حتى ادعى له الألوهية. روى عن النبي ﷺ الكثير من الأحاديث وكان أحد أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر، تولى الخلافة بعد عثمان - ﵄ولقي الله جل وعلا شهيدًا مقتولًا مظلومًا سنة ٤٠ هـ بعد خلافة راشدة عادلة مدتها خمس سنين إلا ثلاثة أشهر فرضي الله عنه وأرضاه. انظر للمزيد من معرفة سيرته الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٤٦٤، ومروج الذهب ٣/ ٣٥٨،
(٢) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي. أبو عبد الله سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته، ولد سنة أربع وقيل ست، وقيل سنة سبع، وقد حفظ عن النبي ﷺ وروى عنه، وروى عن أبيه وعن أمه. قتل الحسين ﵁ يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وكذا قال الجمهور. انظر الإصابة ٢/ ٦٧.
[ ٧٠ ]
القرآن، فإذا قرأ تكلم داعيهم ووعظ وقدح في السلاطين وعلماء الزمان وجهال العامة. كما كان من مناهجهم أنهم لا يتكلمون مع عالم بل مع الجهال ويجتهدون في زلزلة العقائد بإلقاء المتشابه. وكل مالا يظهر للعقول معناه فيقولون: ما معنى الاغتسال من المني دون البول؟ ولم كانت أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة؟ وفي قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أترى ضاقت القافية؟ وما نظن هذا إلا لفائدة لا يفهمها كثير من الناس. ويقولون: لم كانت السموات سبعًا؟ ثم يشوقون إلى جوانب هذه الأشياء، فإن سكت السائل سكتوا، وإن ألح، قالوا: عليك بالعهد والميثاق على كتمان السر، فإنه الدر الثمين، فيأخذون عليه العهود والمواثيق كتمان هذا، ويقولون في الإيمان: «وكل مالك صدقة، وكل امرأة لك طالق ثلاثًا إن أخبرت بذلك ثم يخبرونه ببعض الشيء، ويقولون هذا لا يعلمه إلا آل رسول الله -ﷺ-، ويقولون هذا الظاهر له باطن، وفلان ١٠٦/ ب (^١) يعتقد ما نقول ولكنه يستره ويذكرون له بعض الأفاضل ولكنه ببلد بعيد» (^٢)، واستفحل أمر القرامطة في الكوفة، وكثروا بسواد الكوفة، حتى بلغ من استفحالهم أنهم أحدثوا دينًا غير الإسلام، حيث رفع بعض أهل الكوفة إلى السلطان حول هذا الأمر. وبينوا فيه أنهم يرون السيف على أمة محمد -ﷺ-، إلا من بايعهم على دينهم، ولكن السلطان لم يلتفت إليهم. ولم يسمع منهم. ومن عجائب
_________________
(١) وهذه من الرموز عندهم.
(٢) انظر المنتظم ١٢/ ٢٩٤ انظر تاريخ الطبري ٥/ ٦٠١، ١/ ٦٠٢.
[ ٧١ ]
هؤلاء القرامطة أنهم جاؤوا بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. يقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال نصرانة، داعية إلى المسيح وهو عيسى وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية وهو جبريل. وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان، وقال له: إنك الداعية؛ وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك روح القدس، وإنك يحيى بن زكريا، وعرفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان في كل صلاة أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله (مرتين) أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحًا رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح، وهي من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة إلى بيت المقدس، والحج إلى بيت المقدس. ويوم الجمعة يوم الإثنين لا يعمل فيه شيء. والسورة الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه، المتخذ لأوليائه الذين عرفوا عبادي سبيلي. واتقوني يا أولي الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم. وأنا الذي أبلو عبادي، وامتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي، وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهانًا في عذابي، وأتممت أجلي وأظهرت أمري، على ألسنة رُسلي، وأنا الذي لم يعل علي من جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذي أصَرَّ على
[ ٧٢ ]
أمره وداوم على جهالته، وقالوا: - لن نبرح عليه عاكفين وبه مؤمنين أولئك هم الكافرون، ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون! يقولها (مرتين) فإذا سجد قال الله أعلى، الله أعظم الله أعظم. ومن شرائعه أن الصوم يومان في السنة وهما المهرجان (^١) والنيروز (^٢) وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذت
_________________
(١) المهرجان: هو عيد من أعياد المجوس، مدته ستة أيام ويسمى السادس منه المهرجان الأكبر، وهو في اليوم السادس عشر من شهر مهرماه أحد شهور الفرس ويوافق السادس والعشرين من تشرين الأول - بينه وبين ا لنوروز مائة وسبعة وستون يومًا. يقع في وسط زمان الخريف، حتى قال شاعرهم فيه: أحب المهرجان لأن فيه سرورًا للملوك ذوي السناء سبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم لأنهم كانوا يسمون شهورهم أسماء ملوكهم، وكان لهم ملك يسمى مهر عُرف فيهم بالعنف والعسف، فمات في النصف من هذا الشهر فسمي من ذلك اليوم مهرجانًا. للمزيد انظر صبح الأعشى ٢/ ٤٢٠/ ٤٢١.
(٢) النيروز وهو المعروف باسم عيد النيروز هو أحد أعياد المجوس بل هو عيدهم الأكبر ويقع في أول يوم من سنتهم ولهم بسبب اتخاذه عيدًا حكايات منها: - أن ملكهم جم شاذ ملك الأقاليم السبعة والجن والإنس، اتخذ له عجلة وركبها، وكان يسير بها في الهواء حيث شاء فكان يوم ركوبها في أول يوم من شهر أفردين ما، وهو الشهر الأول من أشهر الفرس، وكان مدة ملكه لا يريهم وجهه فلما ركبها أبرز لهم وجهه، وكان له حظ من الجمال فجعلوا رؤيتهم له عيدًا واسمه نوروزا. ومن الفرس من يزعم أنه اليوم الذي خلق الله فيه النور ومدة احتفالهم بهذا العيد ستة أيام، ولهم فيه عجائب - غرائب. انظر تاريخ اليعقوبي ١/ ١٧٤ وبلوغ الارب للألوسي ١/ ٣٤٨.
[ ٧٣ ]