والخوارج (^١)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_________________
(١) هم الذين خرجوا على علي - ﵁ - يوم الحكمين حيث كرهوا الحكم والتحكيم، وهم الذين قال عنهم النبي ﷺ: «إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين حيث رقم (٦٩٣٤) ومسلم في كتاب الزكاة، باب التحريض على مثل الخوارج ٧/ ١٦٩ ومعنى يمرقون من الدين: أي يجوزونه ويتعدونه، كما يخرق السهم الشيء والمرمي به ويخرج منه. انظر النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٢٠. وكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيًا؛ سواء كان الخروج في أيام الصحابة، أو كان بعدهم على التابعين؛ والأئمة في كل زمان والخوارج من أضل فرق الأمة وأجمعت - قطع الله دابرها - على تكفير علي ﵁ واختلفوا هل كفره يزل أم لا؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات فإنها لا تقول بذلك. وأجمعوا على أن الله - ﷾ - يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلا النجدات. وقد افترقت الخوارج إلى طوائف وفرق منهم الأزارقة، والإباضية، والغونية، والمطبخية، والأخنسية، والشمراخية، والبكارية، والمعلومية، واليزيدية، والبكرية، والعبدلية، والمغالية، والصلتية، والميمونية، والحمزية، والخلفية، والأطرافية، والشعبية، والحازمية، والثعالبة، والمعيدية، والرشيدية، والسيانية، والمكرمية، والإباضية، والحفصية والحارنية. وكل فرقة من هذه الفرق منسوبة إلى شيخها ومصنف كتبها. وللخوارج ألقاب منها: الحرورية، السواة، المارقة، المحكمة، وهم يرضون الألقاب كلها،! إلا المارقة، فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وللخوارج من الطوام القول بخلق القرآن، ومن نظر إلى امرأة أجنبية أو قبلها فهو مشرك، بل تمادى نافع بن الأزرق وقال بإباحة قتل الأطفال والعميان والعرجان والعجائز والمرضى، واستحلوا الأمانات. للمزيد من الفائدة انظر مقالات الإسلاميين من ٨٤ - ١١٣ والملل والنحل من ٩١ - ١٠٩ وعقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ١٨ - ٤٢ والفرق بين الفرق ٤٩ - ٧٨ والتنبيه والرد ص ٦٢ - ٦٨. وهناك رسالة دكتوارة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، قد طبعت ولله الحمد وهي بعنوان: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية لعلي بن علي عواجي.
[ ٣٣ ]
وسائر أصناف المبتدعة» (^١). وقال ابن تغري بردي (^٢): «أبو الحسن،
_________________
(١) انظر تاريخ مدينة الإسلام ١٣/ ٢٦٠.
(٢) هو: جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي الرومي الحنفي، ولد سنة ٨١٢ في مصر وتوفي فيها سنة ٨٧٤، تتلمذ على يد المقريزي والعيني، ويعد من كبار المؤرخين. ومن أهم كتبه: المنهل الصافي، والمستوفي بعد الوافي، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وحوادث الدهور في مدى الأيام والشهور، والبشارة في تكملة الإشارة، وحلية الصفات في الأسماء والصناعات، وأجازه الإمام ابن حجر ﵀. انظر شذرات الذهب ٩ - ٤٧٢ والبدر الطالع ٢/ ٣٥١ ومقدمة النجوم الزاهرة ١/ ٣.
[ ٣٤ ]
صاحب التصانيف في الكلام والأصول والملل والنحل» (^١). وقال ابن خلكان: «أبو الحسن هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة، إليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه، ثم قال: «وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة» (^٢). وقال الزبيدي: «أبو الحسن الأشعري الإمام الناصر للسنة إمام المتكلمين» (^٣). وقال ابن العماد الحنبلي (^٤): «الإمام العلامة، البحر الفهامة، أبو الحسن الأشعري، صاحب المصنفات، ومما بيض به وجوه أهل السنة النبوية، وسود به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج، مناظراته مع شيخه الجبائي (^٥)، التي بها قصم ظهر
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ٣/ ٢٩٨.
(٢) انظر وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥.
(٣) إتحاف السادة المتقين ٢/ ٤.
(٤) هو أبو الفلاح: عبد الحي بن أحمد بن محمد العكبري الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بابن العماد ولد في صالحية دمشق، سنة ١٠٣٢ هـ وتوفي في مكة بعد أداء الحج عام ١٠٨٩ وقد ترك بعده ثروة من الكتب من أهمها: (بقية أولي النهى في شرح المنتهى) حيث شرح فيه كتاب منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح والزيادات و(شذرات الذهب في أخبار من ذهب) انظر معجم المؤلفين ٥/ ١٠٧ والأعلام ٣/ ٢٩٠.
(٥) هو: أبو علي، محمد بن عبد الوهاب البصري. شيخ المعتزلة. كان مبتدعًا ضارًا ويقف في أبي بكر وعمر: أيهما أفضل؟ من كتبه «الأصول» «النهي عن المنكر» «التعديل والتجويز» مات في البصرة سنة ٣٠٣ وابنه شيخٌ للمعتزلة وهو أبي هاشم الجبائي. انظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٨٣ وشذرات الذهب ٤/ ١٨ الفهرست ٢١٣.
[ ٣٥ ]
كل مبتدع ومراءٍ، ثم ذكر قصة المناظرة (^١)، ثم قال: ولهذه المناظرة دلالة على أن الله - تعالى - خص من شاء برحمته، وخص آخر بعذابه، وإلى أبي الحسن انتهت رئاسة الدنيا في الكلام، وكان في ذلك المقدم المقتدى الإمام» (^٢). قلت: ولاشك بأن هناك مبالغات في مدحه - ﵀ - والثناء عليه وإعطائه منزلة أعلى من منزلته ومثال ذلك السبكي عندما بالغ في مدحه وذكر عنه: «أنه مكث عشرين سنة يصلي الصبح بوضوء العتمة» (^٣) وهذا الخبر لا يشك عاقل بعدم صحته بل ومخالفته للسنة النبوية، فالرسول -ﷺ- حذر من مثل هذه الأعمال، فقال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^٤). والأحاديث في مثل هذا المعنى كثيرة، فإذا كان النبي -ﷺ- يصلي ويرقد فهل يسوغ لأحد مخالفته؟ لاشك بأن هذه مبالغة ومناقب لا تعلي من قدره؛ لأن فيها مخالفة للسنة. ومن هذه المبالغات قول السبكي: «وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر
_________________
(١) انظر ص ١٢٣ من هذه الرسالة.
(٢) انظر شذرات الذهب ٤/ ١٢٩، ١٣١.
(٣) طبقات الشافعية ١٣/ ٣٥١
(٤) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، حديث رقم ٥٠٦٣ ومسلم في كتاب النكاح باب استحباب النكاح حديث رقم ١٤٠١.
[ ٣٦ ]
درهمًا، كل شهر درهم وشيء يسير» (^١) وهذا الرقم لا يصدقه عقل ولا يقبل به عاقل، بل بالغ - ﵀ - عندما قال: (واعلم أنا لو أردنا استيعاب مناقب الشيخ لضاقت بنا الأوراق، وكلت الأقلام، ومن أراد معرفة قدره، وأن يمتلئ قلبه من حبه، فعليه بكتاب «تبيين كذب المفتري، فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» الذي صنفه الحافظ ابن عساكر، وهو من أجل الكتب وأعظمها فائدة، وأحسنها. فيقال: كل سُنِّي لا يكون عنده كتاب «التبيين» لابن عساكر فليس من أمر نفسه على بصيرة. ويقال: لا يكون الفقيه شافعيًا على الحقيقة حتى يحصل كتاب «التبيين» لابن عساكر. وكان مشيختنا يأمرون الطلبة بالنظر فيه) (^٢). قلت: وهذه من المبالغات العظيمة، فالذي تضيق الأوراق عن مدحه وتكل الأقلام هو: رسول الله -ﷺ-. بل ومن المؤسف أنه قيد السنية بكتاب التبيين، وهذا أمر عجيب وتحكم غريب أن يوصف الإنسان بالسنية ويحكم عليه من خلال اقتناء كتاب من كتب المناقب، وبخاصة أن هناك من قدح بالكتاب وانتقده، فها هو أحد الأشاعرة يقول منتقدًا: «وكتاب ابن عساكر هذا هو أوسع المصادر لدينا عن الأشعري، إلا أنه ملئ بالبشارات والرؤى والأشعار، مما يجعله بعيد الصلة عن المنهج العلمي، ولذلك يجب أن نأخذ ما يقوله ابن عساكر بحذر، فهو كتاب في المناقب
_________________
(١) الطبقات ٣/ ٣٥١.
(٢) طبقات الشافعية ٣/ ٣٥١، ٣٥٢.
[ ٣٧ ]
يصدر فيه كاتبه عن حب شيخه، ويلجأ إلى أساليب الرؤى والبشارات في تأييد أقواله، وهي ليست أساليب علمية» (^١) قلت: كيف يجعل كتاب التبيين علامة على السنية وعلى الفقه؟ وهو كتابُ ترجمه كُلُّه مدح وثناء، وقدح بالمخالف. ثم ماذا يكون مصير من لم يعرف الأشعري - ﵀ -؟ وكما قال المقبلي (^٢): «فليت شعري كيف حال من تقدم الأشعري ومن لا يعلم بوجود الأشعري؟ وليته جعل ذلك في الشافعي (^٣)، أو مالك (^٤)،
_________________
(١) نشأة الأشعرية وتطورها ص ١٦٧.
(٢) صالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سليمان بن أسعد بن منصور المقبلي ثم الصنعاني ثم المكي ولد سنة ١٠٤٧ هـ في قرية المقبل في الشمال الغربي من مدينة صنعاء في اليمن وتوفي في مكة عام ١١٠٨ كان بارعًا في جميع العلوم ملتزمًا بالدليل نابذًا التقليد، ومن مؤلفاته: حاشية البحر الزخار، والعلم الشامخ الذي اعترض فيه على الصوفية وعلماء الكلام، وكان يجمل كتبه ببعض الأشعار. انظر البدر الطالع ١/ ٢٨٨ ترجمة ٢٠٤ والأعلام ٣/ ١٩٧.
(٣) الشافعي: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ينتهي نسبه إلى عبد مناف بن قصي حيث يجتمع مع الرسول -ﷺ- في هذا الجد فهو ابن عم رسول الله. ولد سنة (١٥٠ هـ) وهو الإمام عالم العصر ناصر الحديث فقيه الملة تلقى العلم عن عدد كبير، منهم سفيان بن عيينة حدث عنه الحميدي والإمام أحمد بن حنبل وخلق كثير، صنف التصانيف في الأصول والفروع ومن أهم كتبه «الأم» أثنى عليه عدد كبير من أهل العلم، وله ديوان مطبوع توفي ﵀ سنة (٢٠٤ هـ). انظر: طبقات الفقهاء للشافعيين (١/ ١٩/ ٧٧)، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٥).
(٤) مالك: هو الإمام شيخ الإسلام إمام دار الهجرة، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي. ولد ﵀ سنة (٩٣)، تلقى العلم عن نافع والزهري وخلق عظيم، وروى عنه يحيى بن كثير ويحيى بن سعيد وخَلق، قال الشافعي: (إذا ذُكِرَ العلماء فمالك النجم)، أَلّف الموطأ ﵀ بطلب من الخليفة. توفي ﵀ سنة (١٧٩ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨). وانظر ترتيب المدارك (١/ ٤٤ - ١٢٩).
[ ٣٨ ]
أو البخاري، أو أحد من ذلك النمط الرفيع، الطراز البديع. وأما الأشعري فأين أثره الصالح في الكتاب والسنة الذي انتفع به منتفع، واهتدى به متبع، ثم ذكر بعضًا من أخطاء الأشعري» (^١) قلت: ولا شك أن هناك من أثنى على الأشعري وهناك من ذمه، وهو كما قال شيخ الإسلام: «الأشعري ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه، وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه، فكل يبالغ في ذلك» (^٢)، قلت: والمفروض العدل والإنصاف، فابن عساكر بالغ في المدح، والمقبلي أنقص من قدر الإمام، والإنصاف والعدل عزيز.
_________________
(١) انظر العلم الشامخ ٢٨٩، ٢٩٠.
(٢) انظر الفتاوى ١٢/ ٢٠٤.
[ ٣٩ ]