ولا شك بأن معاصرة ستة من الخلفاء سيجعل من هذه المرحلة ثرية بالأحداث، ولعلي أذكر أبرز الأحداث التي مرت في هذه الحقبة الزمنية منها:
أولًا: اشتداد فتنة الزنوج (^١) حتى دخلوا إلى واسط (^٢) في العراق وذكر
_________________
(١) هم أتباع علي بن محمد بن محمد عبد الرحيم وأمه قرة بنت علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة، وأصله من قرية من قرى الري، كان أجيرًا، ثم ادعى بالبصرة أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم شخص إلى البحرين سنة ٢٤٩ فادعى بأنه علي بن محمد بن الفضل بن الحسين بن عبد الله ابن عباس بن علي بن أبي طالب فتبعه جماعة من أهل هجر، فوقعت بسببه فتن وبلايا، وحروب كثيرة، بل أنزله أهل البحرين منزلة النبي وجبي له الخراج، ولما خرج إلى البصرة التف عليه خلق من الزنج وكان يزعم لبعض الجهلة من أتباعه أنه يحيى بن عمر أبو الحسن المقتول بالكوفة، وكان يدعي أنه حفظ سورًا من القرآن في ساعة واحدة جرى بها لسانه لا يحفظها غيره في مدة، وأنه خوطب من سحابه بأن يقصد البصرة، ثم رحل إلى بغداد وانتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه وكان قد عبر دجيلان، واجتمع إليه السودان فخطب بهم وبين بأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال والمنازل، وحلف لهم على ذلك، وبأنه لم يخرج إلا غضبًا لله، فجاء يهودي فسجد له وزعم أنه يجد صفته في التوراة، واستمرت حروبهم المتتالية واستمرت فتنته حتى قتل الخبيث - لا ﵀ في أول سنة سبعين ومئتين بعد فتنة بلغت ست عشرة سنة. انظر: تاريخ الطبري ٥/ ٤٤١ - ٥٨٢، والمنتظم ١٢/ ٨٥ - ٢٢٥ البداية والنهاية ١٤/ ٥١١ - ٥١٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٤٣.
(٢) واسط: عدة مواضع أشهرها وأعظمها واسط الحجاج، وهي مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة، والأهواز، وهي على خمسين فرسخًا من كل واحدٍ منها وهي إحدى مدن العراق الكبرى، قبل بناء بغداد، وهي أرض وفيرة الخصب، بجانب دجلة الغرب، سميت بواسط، لأنها بوسط المسافة بينهما، وهناك مواضع أخرى باسم واسط منها واسط بنجد والجزيرة. وأما واسط البلد المعروف، فهي تذكر والنسبة إليها واسطي، شرع الحجاج في بنائها عام ٤٨ هـ، وفرغ منها سنة ٨٦ هـ. للاستزادة: ينظر معجم البلدان ٨/ ٤٣٤، وبلدان الخلافة الشرقية ص ٥٩ - ٦١.
[ ٦٥ ]
ابن الجوزي (^١) أن الزنوج دخلوا واسطًا فخلى الناس البلد، وخرجوا عنه حفاة على وجوههم، وكانوا يدخلون المنازل فيجدونها مفروشة، ومضى الناس [كان] يأخذ أحدهم عمامته أو رداءه فيشد بها رجليه ويمشي، وضربت واسط بالنار (^٢). وذكر الطبري (^٣) أن صاحب الزنج دخل على هرمز (^٤) فاستباحها، وذكر ﵀ الكثير من أخبار الزنج ودورهم في
_________________
(١) هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي الحنبلي ولد سنة ٥٢٩ هـ له مصنفات منها، زاد المسير، وصفوة الصفوة، وغيرها كثير قال عنه الذهبي: - هو الإمام الحافظ المفسر شيخ الإسلام، كان ذا حظ عظيم وصيت بعيد في الوعظ توفي سنة ٥٩٧ هـ انظر سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥ وانظر الشذرات ٥/ ٥٣٦.
(٢) انظر المنتظم ١٢/ ١٩١ في ذكر أحداث سنة ٢٦٤.
(٣) هو محمد بن جرير الطبري أبو جعفر ولد سنة ٢٢٤ هـ وطلب العلم بعد الأربعين وله تصانيف منها تفسير الطبري وغيرهما وقال عنه ابن خزيمة: ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير. وقال عنه أبو حامد الإسفرايني، لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا ومن آثاره أيضًا تاريخ الأمم والملوك. توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر سير الأعلام ١٤/ ٢٦٧ والشذرات ٤/ ٥٣. والبداية والنهاية ١٤/ ١٤٦.
(٤) إحدى المدن المشهورة في نواحي خوزستان والعامة يسمونها رامز، وهي على مسيرة ثلاثة أيام من شرق الأهواز، ومازالت تعرف بهذا الاسم، إنما سميت بذلك نسبة إلى الملك هرمز واشتهرت هذه المدينة بدود القز، وكان بها دار كتب مشهورة يُدرس فيها. انظر معجم البلدان ٤/ ٣٨٢، ٣٨٣. وبلدان الخلافة الشرقية ٢٧٨ - ٢٧٩.
[ ٦٦ ]
هذه الحقبة (^١). وتظهر خطورة الزنج بأفعالهم الشنيعة حتى قال الذهبي عن إحدى المعارك مع الزنج: «لقد تمت معهم ملحمة لم يسمع بمثلها، وظهر المسلمون»، وقال أيضًا عن الزنج وقائدهم: «وقُتلَ خلق من جيشه وتحيز هو في طائفة وعظم البلاء وكاد الخبيث أن يملك الدنيا، وكان كذابًا مُمَخرقًا ماكرًا شجاعًا، ادعى أنه بعث إلى الخلق، فرد الرسالة. وكان يدعي علم الغيب، لعنه الله». كما تحدث عن سيره إلى الأهواز (^٢) وإلى البطائح (^٣) حيث قال: وأما الخبيث فدخل البطائح وبثق حوله الأنهار -
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ٥/ ٥٢٦ حتى ٥٨٩ وانظر سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٤٢.
(٢) مفردها هوز وجمعها الأهواز وكانت قاعدة لإقليم خوزستان، وهي مدينة بين البصرة وفارس ولكن تسمية خوزستان قد بطلت، وصارت هذه الولاية التابعة لبلاد فارس تسمى عربستان (أي إقليم العرب) ولكن الرئيس الإيراني محمد شاه بهلوي قد أعاد تسميتها خوزستان، وهي تقع على نهر دجيل الأهواز وذلك تصغير لنهر دجلة وتغير اسمه من دجيل إلى نهر كارون، وقد اشتهرت المدينة بكثرة العقارب والحيات والماء الحميم والتراب السبخ، ويقتات أهلها خبز الرز وهو عسر الهضم. انظر بلدان الخلافة الشرقية ص ٢٦٩ ومعجم البلدان ١/ ٤١٠.
(٣) البطائح: جمع بطيحة، وهي من مدن العراق تقع بين واسط والبصرة، وتبطح في رقعة يبلغ عرضها خمسين ميلًا وطولها قرابة مئتي ميلًا، وكانت البطيحة يأتيها الماء من نهر الفرات ومع أن هواءها وخم، فإن تربتها كانت في غاية الخصب، وهي مدينة ينبت فيها القصب. انظر: معجم البلدان ١/ ٣٥٦ وبلدان الخلافة الشرقية ٥٩ - ٦١.
[ ٦٧ ]