استخدامه منهج المعتزلة في الجدل والمناظرة ودفاعه عن الخوض في علم الكلام يلمس أثر المعتزلة الواضح في فكر أبي الحسن، ويرى صدق عبارة ابن تيمية من أن فيه بقايا من اعتزال (^١). واستدل أصحاب هذا القول بأن مسألة القول أن الأشعري في كتابه الإبانة رجع رجوعًا كاملًا لمنهج السلف ينغص عليه ما في الإبانة من المسائل التي خالف فيها الأشعري السلف وذكروا ملاحظات على الإبانة ستتم مناقشتها، ولكن لابد من معرفة بعض القواعد قبل المناقشة، ومن أهمها:
١ - رد ما أجمله إلى ما فصله. فرد المجمل إلى المفصل هو المنهج السليم للحكم على الإنسان
٢ - الحكم على ظاهر قوله لا على باطنه، وحمل كلامه على الوجه الحسن، خير من حمله على مقصد آخر لم يتفوه به، مما يؤدي إلى أن يُحمل كلامه على خلاف ما يريد، كما من الواجب أن يحكم على صريح قوله لا على لازم قوله، وخاصة في قضية الحكم على عقيدة الإنسان.
٣ - أن يحاكم من خلال آخر ما كتب لا أوله، وعدم ربط كلامه القديم بكلامه الجديد، خاصة إذا كان الكلام القديم موهمًا، والكلام المتأخر واضحًا، فكيف بمثل هذا العالم الذي يكاد أهل السنة أن
_________________
(١) انظر شيخ أهل السنة ٥/ ١٨٦.
[ ١٨٧ ]
يتفقوا على أنه مر في كتابه الإبانة بطور ثالث خالف فيه ما كان يعتقده في كتبه السابقة، بل وحدث شبه إجماع بينهم بأن هذا الكتاب هو آخر كتبه.
٤ - جمع شتات كلامه في المسألة الواحدة من نفس الكتاب حتى يرد المجمل إلى المفصل والمبهم إلى المفسر لا العكس. قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «يجب أن يُفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويُؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا (^١)، والمنهج العلمي بجمع شتات ما كتبه في جميع مؤلفاته، وسني عمره منهج سليم لا إشكال فيه، ولكنه خاص بمن عنده ثبات في المنهج ولم يعلن عن تغيره وتراجعه، ولم يمر بأطوار متعددة، بل جميع حياته طور واحد، وهذا لا ينطبق على الإمام الأشعري الذي مر بأطوار متعددة، يبحث من خلالها عن منهج أهل السنة والجماعة، ولذا فمن الصعب أن يُجمع شتات ما كتبه للحكم على عقيدته، بل لو سُلك هذا المنهج معه سيجعل هناك من يُعيده إلى طور الاعتزال، فهذا الإمام أعلن عن رجوعه وتخليه عن عقيدة الاعتزال الفاسدة، بل وأعلن صراحة بأنه يسير على منهج الإمام أحمد وجعله الرئيس الكامل؛ لذا فالحكم على عقيدته من خلال ما كتبه في الإبانة فقط هو
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح ٤/ ٤٤.
[ ١٨٨ ]