المنظوم، حيث قال:
وبعد فالنخبة في علم الأثر … مختصر يا حَبَّذا من مختصر
ألفها الحافظ في حال السفر … وهو الشهاب بن علي بن حجر
كذلك قال:
طالعتها يومًا من الأيام … فاشتقت أن أودعها نظامي
فتم من بكرة ذاك اليوم … إلى المسا عند وفود النوم (^١)
فإذا كان هؤلاء الأعلام، قد أَلَّفُوا ونظموا في خلال سُويعات، فلماذا نتعجب من أن يُؤَلِّفَ الأشعري في خمسة عشر يومًا؟ وهو منقطع عن الناس انقطاعًا تامًا ثم ما المانع، أن يكون صَنَّف هذه الكتب بعد الرؤيا؟
والخلاصة، أن ما ذكره من علة للقدح في القصة لا يسلم له به خاصة وأنه رد جميع ما ذكر من غير مستند، أو دليل أو حجة بينة. أما مسألة تعجّبه من خلع الأشعري ثوبه، كدلالة على انخلاعه من الاعتزال فمعه في هذا حق من وجهة نظري، لأن مثل هذا الفعل لا يتصور من إنسان عادي، فكيف من عالم! وإن كان بعضهم قد ذكر بأن الأشعري قد يكون:
أ - لبس أكثر من ثوب، وبخاصة أن الروايات لم تذكر أنه تعرى،
_________________
(١) انظر إسبال المطر ص ٢٩، ٣٠.
[ ١٣٥ ]
وفعله لا يَتَعَدَّى أن يكون اجتهادًا منه في هذه المسألة، وهذا هو المتوقع بلا ريب، إن كان هذا قد حصل فعلًا.
ب - قد يكون قصده لفت الأنظار من أجل انقداحها في الأذهان، وذلك لأنه أراد أن يترك أثرًا في نفوس الناس محسوسًا وشاهدًا ملموسًا على تركه وبراءته من الاعتزال وطبعي أن يكون قد رتب لهذا قبل الخروج إلى المسجد، فالطبيعي إذًا أن يكون قد لبس غير الثوب الذي خلعه وإن كنت أميل إلى عدم قبولها خاصة وغالب الروايات لم تذكرها، ناهيك عن أن خلع الرجل ثوبه أمام الرجال أمرٌ مذموم حتى ولو كان قد لبس أكثر من ثوب، مع التأكيد أنه يجب استبعاد أن يكون الأشعري قد تعرى أمام الناس؛ لأن مثل هذا الظن والتصور لا يرد إلا على ذهن من يريد دفع هذه الرواية ونفيها ابتداء دون بحث أو تأمل وتدقيق، وأمّا استدلاله على عدم صحة الخير بحجة تأخر تأليف اللمع، فهذا كلام بعيد تمامًا عن المنهج العلمي في البحث، فهذه دعوى لم يذكر على صحتها دليلًا واحدًا؛ بل هذه الرواية لو صحت لكانت دليلًا وحجة لمن يَرَوْنَ تأخر تأليف كتاب الإبانة، وبأن اللمع من مؤلفات الأشعري بعد التحول مباشرة، والله أعلم.