نفع الله بها، وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (^١). كما صنف في هذا العصر أعظم كتب التفسير جامع البيان للإمام الطبري. ومن أئمة هذا العصر أيضًا، الإمام أبو بكر المروذي (^٢). ومن العلماء الكبار في هذا العصر الإمام بقي بن مخلد (^٣). كما تميز هذا العصر، بوجود
_________________
(١) هو: عبد الله بن أحمد بن حنبل، أبو عبد الرحمن الشيباني، كان إمامًا حافظًا، ناقدًا محدثًا، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، روى عن أبيه المسند بأكمله والزهد، حدث عنه النسائي، وسليمان الطبراني، وشهد له أكبر شيوخه بمعرفة الحديث، ومن كتبه: السنة، والرد على الجهمية، توفي - ﵀ - سنة تسعين ومائتين، وكان عمره سبعًا وسبعين سنة، انظر البداية والنهاية ١٤/ ٧٢٠، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥١٦.
(٢) هو: الإمام الفقيه، صاحب الإمام أحمد شيخ الإسلام أبو بكر، أحمد بن محمد، بن الحجاج، المروذي، ولد ﵀ في حدود المائتين، وكان من الأئمة الأذكياء، حتى كان أحمد يقدمه على جميع أصحابه، ويأنس به، وقد نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة وكان من أهل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قال الخلال: لا أعلم أحدًا أقوم بأمر الإسلام من أبي بكر المروذي، وقال أبو بكر بن صدفه: ما علمت أحدًا ذبَّ عن دين الله مثل المروذي، وكان إمامًا في السنة شديد الاتباع، توفي - ﵀ - في سنة خمس وسبعين ومائتين انظر في ترجمته البداية والنهاية ١٤/ ٦١٤، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ١٧٣، والمنتظم ١٢/ ٢٦٤، وشذرات الذهب ٣/ ٣١٣.
(٣) هو: الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد الأندلسي، القرطبي، الحافظ، ولد ﵀ في حدود سنة مائتين، ورحل ﵀ إلى العراق، فسمع من الإمام أحمد وغيره، وكان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان مجاب الدعوة، وذكر له ابن كثير في ذلك قصة عجيبة، له العديد من المؤلفات ومن أهمها المسند: الذي بوبه على الفقه، وروى فيه عن ألف وستمائة صحابي، حتى فضله ابن حزم على مسند أحمد. وانتقد ابن كثير هذا القول، ثم اعتذر لابن حزم، حيث قال: لعل ابن حزم لم يطلع عليه، أولعله سمع من أحمد المسند «أي بقي» وزاد عليه، توفي - ﵀ - سنة ستٍ وسبعين ومائتين. انظر في ترجمته البداية والنهاية ١٤/ ٦٢١، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٨٥.
[ ٩٦ ]
عدد من الفقهاء، منهم، داود بن علي الظاهري (^١)، والربيع بن سليمان المرادي (^٢)، والإمام ابن قتيبة (^٣). ومن أئمة هذا العصر أيضًا الإمام
_________________
(١) هو: داود بن علي بن خلف، قال عنه الذهبي: الإمام البحر، الحافظ، العلاَّمة، أبو سليمان البغدادي، المعروف بالأصبهاني، مولى أمير المؤمنين المهدي، رئيس أهل الظاهر، ولد سنة ٢٠٠ سمع من سليمان بن حرب، والقعنبيُّ، ومسدد بن مُسرهد وإسحق بن راهويه، وحدث عنه زكريا الساجي وكان إمامًا ناسكًا ورعًا زاهدًا. ذكر ابن كثير: أن الإمام أحمد تكلم فيه، بسبب كلامه في القرآن عندما قال: لفظه به مخلوق، وكان من الفقهاء المشهورين، ولكن ضيق على نفسه بنفيه القياس الصحيح، توفي سنة مائتين وسبعين. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٩٧ - ١٠٨، البداية والنهاية ١٤/ ٥٩٤.
(٢) هو: الربيع بن سليمان، بن عبد الجبار، بن كامل، أبو محمد المرادي مولاهم البصري، صاحب الإمام الشافعي، وناقل علمه المولود في سنة أربع وسبعين ومائة، قال عنه الذهبي: هو الإمام المحدث الفقيه، الكبير، بقية الأعلام، سمع من عبد الله بن وهب، وعدد كبير، وحدَّث عنه أبوداود، وابن ماجه والنسائي، والترمذي، قال عنه أبو سعيد بن يونس: ثقة، توفي ﵀ وهو لم يزل مؤذنًا في جامع الفسطاط سنة ٢٧٠، انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٥٨٧ - ٥٩١، البداية والنهاية ١٤/ ٥٩٥.
(٣) هو: الإمام، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدينوري، صاحب المصنفات البديعة، ومن أهمها غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وكتاب الرؤيا، وكتاب الرد على من يقول بخلق القرآن، حدَّث عن جمع من العلماء من أهمهم إسحق بن راهويه، توفي ﵀ سنة سبعين ومائتين. انظر: ترجمته في البداية والنهاية ١٤/ ٥٩٦، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٦.
[ ٩٧ ]
إبراهيم بن إسحاق الحربي (^١). والإمام محمد بن نصر المروزي (^٢). ولم يقتصر التميز العلمي لعلماء هذا العصر على علماء الحديث والفقه فقط، بل حتى أئمة اللغة حيث برز بعضهم في هذا العصر، ومنهم المبَرِّد (^٣)،
_________________
(١) هو: الإمام، الحَبْر، الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن ديْسَمْ الحربي البغدادي، صاحب التصانيف، ولد سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، ولازم الإمام أحمد ﵀ روى عنه الكثير، حتى كان يقاس بأحمد بعلمه وزهده وورعه. قال الحاكم: سمعت محمدًا القاضي يقول: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الفقه والحديث والأدب والزهد، من مصنفاته غريب الحديث، وله حكاياتٌ عجيبة وقصصٌ ذكرت في ترجمته. توفي ﵀ سنة خمسٍ وثمانين ومائتين. وكانت جنازته مشهودة، انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٥٦، ٣٧٠، والبداية والنهاية ١٤/ ٦٨٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٥.
(٢) هو الإمام الفقيه، محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، شيخ الإسلام أبو عبد الله الحافظ. ولد في بغداد سنة ٢٠٢ قال عنه الحاكم: إمام عصره بلا مُدافعة في الحديث، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين، قال أبو بكر الصيرفي: لو لم يصنِّف ابن نصر إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس. وكان من أعجب الناس في خشوعه في صلاته، وذكر الذهبي شيئًا من ذلك، كما ذكر ابن كثير في ترجمته أخبارًا عجيبة له، توفي ﵀ في سنة ٢٩٤. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٧٣٥، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٣، وشذرات الذهب ٣/ ٣٩٧.
(٣) المبرد: هو: إمام النحو أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، الثمالي، البصري النحوي الإخباري، كان ﵀ إمامًا في اللغة والعربية، وكان آية في النحو، والذي لقبه بالمبَرِّد، هو المازني، حيث قال له: أنت المبرد أي المثبت للحق، ثم غلب عليه، وذُكر غير ذلك، وله عدد من المؤلفات منها الكاملُ في الأدب، وذكر في ترجمته أشياء ظريفة. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٦٨٠، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٧٦.
[ ٩٨ ]
كما صُنف في هذا العصر مرجع من أهم مراجع اللغة، وهو كتاب الصِّحاح للجوهري (^١). ومن علماء الكلام، أبو منصور الماتريدي (^٢). كما وُجد في هذا العصر بعض علماء الاعتزال، ومن أشهرهم: أبو علي الجبائي، وأحمد بن مخالد (^٣). وشيخ المعتزلة الكعبي (^٤)، كما ظهر في هذا
_________________
(١) هو: إمام اللغة، أبو نصر، إسماعيل بن حماد، التركي، الأكراري، اللغوي، أحد أئمة اللسان، له مصنف عجيب وهو كتاب الصِّحاح، وكان ممن يُضرب به المثل في ضبط اللغة، وله نظمٌ حسن ومقدمة في النحو، وكانت ميتتُه عجيبة حيث مات مترديًا من سطح داره في نيسابور، وكان سبب ذلك شيءٌ غريب ذكر في ترجمته، وكانت وفاته في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٨٠، وشذرات الذهب ٤/ ٤٩٧.
(٢) هو: محمد بن محمد بن محمود، الماتريدي، السمرقندي، وماتريد: مدينة في سمرقند فيما وراء النهر كما ذكر ذلك ياقوت في معجم البلدان ٥/ ٣٢. تتلمذ على يد عدد من الشيوخ، من أشهرهم، أبو نصر العياضي، ولأبي منصور كتبٌ كثيرة في الفقه وأصوله وفي التفسير وفي علم الكلام وغالب كتبه الكلامية، في الرد على معتزلة عصره، والرد على الباطنية والروافض، توفي ﵀ في ٣٣٣ هـ. انظر: الجواهر المضية ٣/ ٣٦٠، كما ترجم له الشيخ عبد الرحمن المحمود وعن منهجه مع مقارنته بالأشعري في مبحث كامل. انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/ ٤٧٧، ٤٩٢.
(٣) هو: أحمد بن مخالد، وفي بعض النسخ ابن خلاَّد مولى المعتصم، وكان من دعاة المعتزلة، أخذ الكلام عن جعفر بن مبشِّرٍ المعتزلي، وسليمان بن حفص المعتزلي، صاحبُ بشر المريسي وأبي هذيل العلاف، وكان أحد الضعفاء، توفي في سنة تسع وستين ومائتين. انظر البداية والنهاية ١٤/ ٤٨٥.
(٤) هو: أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، البلخي، العالم المشهور، كان رأس طائفة من المعتزلة، يُقال لهم «الكعبية» وهو صاحب مقالاتٍ، ومن مقالاته: أن الله ﷾ ليست له إرادة، وأن جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة، ولا مشيئة منه لها. وكان من كبار المتكلمين، ومن نظراء الجبائي، وله اختيارات في علم الكلام، وله العديد من المؤلفات ككتاب التفسير الكبير، وكتاب الجدل، توفي في مستهل شعبان سنة سبع عشرة وثلاثمائة. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٥، شذرات الذهب ٤/ ٩٣، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٣١٣، ١٥/ ٢٥٥.
[ ٩٩ ]
العصر بعض أعلام المتصوفة، ومنهم سهل بن عبد الله التستري (^١)، والجنيْد (^٢). كما وُجد في هذا العصر، بعض أعلام الرافضة، وكان من أبرزهم الكُليني (^٣)، والحسين بن أحمد (^٤). وبعض أعلام الملاحدة ومنهم
_________________
(١) هو: سهل بن عبد الله بن يونس، أبو محمد التستري، الصوفي الزاهد، صحب خاله محمد بن سَوار، ولقي في الحج ذا النون، المصري وصَحبِه، روى عنه الحكايات: عمر بن واصل، وأبو محمد الجريري، وعباس بن عاصم، ومحمد بن المنذر الجهمي، وطائفةٌ. توفي سنة ثلاثٍ وثمانين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٠، البداية والنهاية ١٤/ ٦٦٥.
(٢) هو: الجنيد بن محمد الناهوندي، أبو القاسم الخزَّاز، وُلد سنة نيفٍ وعشرين ومائتين، وتفقه على أبي ثور، وصَحِبَ الحارث المحاسِبي، وحُفظت عنه بعض الحكم، وبولغ في وصف تعبُّده، حتى قيل بأنه مكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائتين. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٧٦٧، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٦٦.
(٣) هو: شيخ الشيعة وعالم الإمامية، أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي الكليني. صاحب كتاب الكافي، هلك في بغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٨٠، والأعلام ٧/ ١٤٥، ولهذا الهالك، في صحيحه «كَذِبِه» من المعتقدات الباطلة المفتراة على الأئمة، مما لا يقول به مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر فعامله الله بما يستحق.
(٤) هو: الحسين بن أحمد، بن محمد، بن زكريا، الصنعاني، قال عنه الذهبي: كان من دهاة الرجال الخبيرين بالجدل وإغواء بني آدم، وذكر ابن كثير: أن غير واحدٍ من أهل التاريخ ذكروا بأنه كان يهوديًا، وهلك عدوُّ الله الخبيث مقتولًا على يد أمير المؤمنين المهدي في سنة ثمان وتسعين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٩. البداية والنهاية ١٤/ ٧٧٢.
[ ١٠٠ ]
ابن الراوندي (^١)، كما وجد كثيرٌ من الأعلام، سواء أكانوا من الأتقياء الأخيار أو من الفسقة الفجار، ومع وجود بعض أعلام الملاحدة والرافضة، إلاَّ أن أهل السنة كانت لهم قوة ومنعة، ولله الحمد والمنة، لوجود أعلامهم الكبار، ومن دلالة ارتفاع قدرهم، أمْرُ أمير المؤمنين المعتضد بنوادي بغداد، بألا يُمَكَّنَ أحدٌ من القُصَّاص ومن أشبههم من الجلوس في المساجد أو الطرقات، وألا تُباع كُتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس (^٢). كما شهد العصر، انحسار المذهب المعتزلي، بعد أن استطاع علماء أهل السُّنة الانتصار عليهم وتفنيد شبهاتهم.
والخلاصةُ أن هذا العصر يُعَدُّ من أثرى العصور في كثرة المؤلفات، التي نفع الله بها المؤمنين، وخاصة كتب السُنَّة، التي سبق أن مرَّ معنا أن خمسةً من الكتب الستةِ عاش مؤلفوها في هذا العصر.
_________________
(١) هو: أبو الحسن، أحمد بن يحيى، بن إسحاق، المعروف بابن الراوندي، ذكر الذهبي بأنه الريوندي، قال عنه الذهبي: الملحدُ عدو الدين صاحب التصانيف في الحطِّ على الملة، وكان. يلازم الرافضة والملاحدة، وقال عنه ابن كثير: إنه أحد مشاهير الزنادقة والملحدين، وصنف كتابًا في الرِّد على القرآن، أسماه الدامغ أ. هـ. قال ابن عقيل: عجبي كيف لم يُقْتَلْ وقد صنَّف الدامغ ولهذا الملحد عجائب. انظر: في ترجمته البداية والنهاية ٤/ ٧٦٤، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٩، والمنتظم ١٣/ ١٠٨.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٦٤٢ مع اختصار يسير.
[ ١٠١ ]