تخلو من ركاكة في الأسلوب، وتكلف وتصنع، توحي للمتأمل عدم صحتها، أو على الأقل عدم دقة نقلها، لذا انتقدها عدد من الباحثين، منهم:
١ - الدكتور عبد الرحمن المحمود حيث قال: «ويلاحظ ما دخل هذه الرويات من زيادات حتى يقول الرسول: «انظر علم الكلام»، وقد يكون لمسألة الرؤيا أصل، لكن ليس بهذه الأساليب والروايات التي لم يتصل سند شيءٍ منها» (^١).
٢ - جلال موسى، حيث قال: هذه الرواية - على طولها - قد أثبتناها هنا لنكشف بالتحليل عن مقدار الوضع فيها، فرؤية الرسول في هذه الرسالة وضعت بدقة بحيث تكون في أول رمضان والثلث الثاني والثالث وفي ليلة القدر (^٢) بالذات، وهذا راجع للمأثور عن فضائل هذا الشهر وتلك الليلة بالذات، وحتى يكون مجيء النبي لأبي الحسن الأشعري في هذه الأوقات خاصة أمرًا يكاد يكون أقرب إلى التصديق، حتى لا ينكشف أمر الصنعة في الرواية، ثم إن أسئلة رسول الله تنحصر في مسائل معينة بالذات، هي التي تهم أبا الحسن الأشعري، كموقفه من التأويل العقلي، ومسألة رؤية الله في الآخرة. والمعروف عن الأشعري أنه يعارض المعتزلة في تأويلهم للآيات ولا يوافق عليه ويخشاه، ثم إذا كان رسول الله وافق على رأيه. فلماذا يسكت الأشعري، ولا يظهر للناس شيئًا، حتى
_________________
(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٧٣.
(٢) القطع بأن ليلة القدر ليلة معينة بذاتها؛ جمهور أهل العلم على خلافه.
[ ١١٨ ]
يأتيه رسول الله في العشر الثاني ليسأله عما فعل، فيجمع كتب الكلام، ويشتغل بكتب الحديث وتفسير القرآن؟ وهذا مخالف تمامًا لما نعرفه من استحسان الأشعري الخوض في الكلام ودفاعه الحار عن علم الكلام، بل هو الذي أيد عقيدة أهل السنة والجماعة بالبراهين العقلية والأدلة المنطقية (^١). قلت: في هذا الكلام وجه حق، ولكن يُعَابُ على المؤلف جرأته وقطعه بأن جميع هذ الرؤى موضوعة.
٣ - إبراهيم برقان حيث قال: إن الأحاديث النبوية الشريفة وإن أكدت صدق رؤية النبي -ﷺ- في المنام، فإنه لا ينكر من يراه -ﷺ- كذلك ويحدثه بأمر من الأمور، يكون ذلك سببًا في تغيير مجرى حياته الفكرية، لكن رواية ابن عساكر لا تعتبر دليلًا قاطعًا على حدوث مثل هذه الرؤى للأشعرى، وتبقى فرضًا بحاجة إلى إثبات. ويصعب على الباحث الموضوعي، أن يقبل بهذه الرواية، قبولًا تامًا، وبخاصة أن مضمونها يوحي إلى تكلف فيها، وذلك عندما رد الأشعري على الرسول -ﷺ- في المرة الثالثة بقوله: كيف أدعُ مذهبًا تصورت مسائله، وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا، فالذي يرى الرسول -ﷺ- في المنام لا يجادله، وإنما يقف موقف الممتثل له، ناهيك عن أنني بذلْتُ جهدًا لكي أتحقق من صحة سند هذه الروايات التي ذكرها ابن عساكر إلا أنني لم أجد ترجمة لرجال السند
_________________
(١) انظر: نشأة الأشعرية وتطورها ص ١٧٣.
[ ١١٩ ]
تجريحًا أو تعديلًا (^١). قلت: وكذلك صنعت فلم أجد.
٤ - كما تعجب عبد الرحمن بدوي (^٢) من هذه الرؤى وعلق بقوله:
أ- إن فيها الدفاع عن علم الكلام وأنه لا يتنافى مع السنة، مما يؤذن بأَنَّ أصحابها أشاعرة - أي من قالوا بالرؤى المنامية ـ.
ب - الدفاع عن مذهب الأشعري بوصفه مطابقًا لسنة النبي.
جـ- بعضها يرمي إلى الطعن في مذهب المعتزلة ودمغه بالكفر، وإن كان اللجوء إلى الرؤى التي فيها يشاهد النبي -ﷺ- يأمر بكذا وكذا أمرًا شائعًا لدى الفقهاء، بل وبعض المتكلمين، إلا أنَّ الرواية المذكورة في مجموعها تَتَنَافَى مع واقع الحال من ضرورة التطور الذهني بحيث تبدأ الشكوك تتزايد حتى تؤدي إلى التحول وإعلان القطيعة مع ما سار عليه الأمر حتى ذلك الوقت، وهذا لا يتفق مع هذه الرؤى التي تكاد أن تكون
_________________
(١) انظر: الإمام الأشعري وآراؤه الكلامية في كتاب اللمع ص ١٩.
(٢) هو عبد الرحمن بدوي، ولد سنة ١٣٣٥ هـ في قرية (شرباص) في مصر، وقضى جزءًا من حياته في (باريس)، نال درجة الماجستير في مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية، والدكتوراه في الزمن الوجودي، عمل في جامعة عين شمس حتى نال الأستاذية، ثم انتقل إلى عدة دول، كالكويت وليبيا وإيران، وهو من فلاسفة مصر المعاصرين، له العديد من الكتب منها: ربيع الفكر اليوناني، مؤلفات الغزالي والخوارج والشيعة، ومذاهب الإسلاميين، توفي سنة ١٤٢٣ هـ. انظر سلسلة الموسوعات الإسلامية ٣/ ٦٥٠ - ٦٥٤. وهناك رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى حول عبد الرحمن بدوي وآرائه الاعتقادية، للدكتور عبد القادر الغامدي.
[ ١٢٠ ]