٢ - أنه انتقل بعد مذهب السلف إلى التوسط واستقر عليه، ونشأ عنه ما يسمى بالمذهب الأشعري، وأدلة هؤلاء تقوم على أن كتاب اللمع هو آخر كتبه ومن أدلتهم ما يلي:
أولًا: أن الأشعري عندما رجع من الاعتزال انتقل إلى مذهب السلف الذي يسمي بالحنابلة، وقاده إلى ذلك الحماس والاندفاع، ثم بعد ذلك انتقل إلى الطور الأخير الذي توسط فيه. قال حموده غرابه: فقد اندفع الرجل في طريقه متحمسًا حماسة قد يشفق عليه الإنسان منها، وأخذت كتاباته في أول عهده تفيض حرارة وتبجيلًا لمذهب السلف وطعنًا في المعتزلة. ولعلَّ كتاب الإبانة وهو يصور هذه المظاهر يعود إلى تلك الفترة من حياته، كما نلاحظ أن هذا الاندفاع وتلك الحماسة في إثبات الوجه واليدين والعرش وما إلى ذلك كما تقول الحنابلة قد أخذت تخف مع الزمن، وشرع الرجل في استعادة توازنه يومًا بعد يوم، إلى أن انتهى إلى مكانه الوسط بين المعتزلة، والحنابلة، حيث تجلت فيه تلك الملكة النقدية العميقة التي استفاد أصولها من أساتذته الأُوَلْ (^١). ولعل كتاب «اللمع» - كما نرجح - هو الذي يمثل مذهبه الوسط في صورته النهائية ثم قال
_________________
(١) يقصد شيوخ المعتزلة كالجبائي.
[ ١٨٠ ]
(ورأيي يعتمد على حقيقةٍ نفسية وأخرى علمية).
أ - فمن الناحية النفسية، يكون المرء في أثناء تحوله من رأي إلى رأي أشد عداءً لرأيه الأول، ولاشك أن إثبات الوجه واليدين والعرش إلى غير ذلك على أية صورة مما يتفق مع هذه الحقيقة لبعد ذلك بعدًا سحيقًا عن آراء المعتزلة.
ب - أما من الناحية العلمية فإننا نجد الكتب التي تجنبت ذكر ذلك أعمق وأدق في تصوير مذهبه من الكتب المثبتة لها مما يدل على أن هذه الكتب العميقة لم تكتب إلا بعد أن تركز المذهب في صورته الصحيحة، وهذا يستلزم أو على الأقل يرجح أنها كانت متأخرة في الزمن عن الكتب التي صدرت عن الأشعري في بدء تحوله، من مذهب إلى مذهب، وأيًا كانت الحقيقة فقد ظل الأشعري مخلصًا في عدائيته للمعتزلة حتى آخر رمق من حياته (^١)، قلت: وهذا لا يستند إلى أدلة تاريخية أو علمية بل أدلة تحليلية صوابها أكثر من خطئها.
ثانيًا: البعد والعمق في اللمع - من وجهة نظرهم ـ: حيث قال جلال موسى: والذي يمكن استخلاصه من ذلك: أن مرحلة الإبانة أسبق من مرحلة اللمع، لأننا نلمس في اللمع عمقًا ودقة لا نجدهما في الإبانة، الذي يكاد يكون مجموعة من الردود تتوالى على المسألة الواحدة فالإبانة
_________________
(١) انظر أبو الحسن الأشعري ٦٧ - ٦٨ باختصار.
[ ١٨١ ]
من مؤلفات مرحلة التحول واللمع من مؤلفات مرحلة النضج، وأي مقارنة بين الكتابين تؤكد صحة هذا الرأي (^١). قلت: وهذا القول لا يستند إلى أدلة علمية بل في الإبانة من القوة العلمية واستحضار الأدلة ما ليس في اللمع. «والإبانة كتاب احتجاج وليس كتاب حجة لنقل مذاهب الناس» (^٢). فهو هنا لم يوضح لنا مقصده في العمق والنضج، فهل يقصد بالعمق طريقة الاستدلال بالأدلة العقلية وتأويل الأدلة النقلية، كما هى في اللمع، إن كان هذا مقصده بالعمق والنضج فلا بأس بالمقصد، ويقال له ألا ترى أن الأشعري ﵀ عندما كان معتزليًا كان أكثر نضجًا وعمقًا في هذا الاتجاه، بل كان إمامًا في اعتماد التأويلات العقلية وتعطيل الأدلة النقلية، ومع ذلك فر ﵀ من هذا العمق المزعوم والنضج المكذوب!! فهل يُسمى التعطيل للوحيين عمقًا؟! وتقديم النقل عليهما نضجًا؟!! - سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
ثالثًا: قالوا: ومن المؤكد على أن الإبانة هي المتقدمة أننا نجد أن الأشعري فيها متحمسًا، ومتحاملًا على المعتزلة، وأبعد ما يكون عن آرائهم، وهذه ظاهرة نفسية، يجدها المرء في نفسه تجاه رأيه الذي يتركه إبان تركه أو بعد التخلي عنه (^٣). وهذه القوة في الهجوم ليست موجودة
_________________
(١) انظر نشأة الأشعرية وتطورها ص ١٩٥.
(٢) انظر بيان التلبيس ١/ ١١٧.
(٣) القضاء والقدر ٢/ ٣١٩.
[ ١٨٢ ]
في اللمع فهذا يدل على أن الرجل رجع للاعتدال.
رابعًا: حاول أصحاب هذا القول تفنيد خلو العمد من ذكر الإبانة، والتي هي من الأدلة التي اعتمد عليها أصحاب قول إن الإبانة، هي آخر كتبه وعليها استقر مذهبه. فقالوا: إن ابن عساكر لم يهمل ذكر كتاب الإبانة لأنه ذكر كتاب المختصر في التوحيد والقدر. والراجح أنه كتاب الإبانة، ودليل ذلك أن ابن عساكر ذكر أنه في أبواب من الكلام وفي إثبات رؤيا الله في الأبصار والكلام في سائر الصفات .. الخ ما ذكره (^١). وعندما نطابق بين موضوعات الإبانة وبين هذا الكتاب يتبين اتفاقهما موضوعًا وترتيبًا (^٢). وقد انتقد فاروق دسوقي هذا القول فقال: إن هذا لا يكفي بأن يكون الكتابان كتابًا واحدًا، لمجرد تشابه الموضوعات وترتيبها، لأن ذلك قائم بين كثير من كتب علم الكلام وبين كتب الأشعري. بدليل اتفاق بعض الأبواب بين اللمع والإبانة، كما أن ابن عساكر ذكر أن في كتاب المختصر كلامًا في التولُّد (^٣). بينما ليس في الإبانة ذلك (^٤).
_________________
(١) انظر التبيين ١٣١، ١٣٢.
(٢) انظر القضاء والقدر ٢/ ٣٢٠، وعزاه لمحمد جلال موسى في بحث له بعنوان: (الجبر عند الأشاعرة). ولم أجد البحث.
(٣) هو: ولد الشيء من الشيء أنشأه، والتوليد عند المعتزلة هو الفعل الصادر من الفاعل بوسط ويقابله المباشرة، وهي الفعل الصادر من الفاعل بلا وسط، فالتولد هو صورة الشيء عن الشيء بواسطة ثالث، انظر المعجم الفلسفي ص ٣٦٨، وانظر: المقالات ص ٢٩٦.
(٤) القضاء والقدر ٢/ ٣٢٠.
[ ١٨٣ ]