نشأ الإمام برهان الدين الجعبري نشأةً علميةً، وَتَرَبَّي تربيةً إسلاميةً سليمةً في أسرةٍ كريمةٍ مشهورةٍ بالعلمِ.
ولم تذكر لنا كتب التراجم شيئًا كثيرًا عن حياة والده العلمية ونشأته ولا تاريخ ولادته ولا وفاته، وإنما ذكرت ما يلي:
١ - اشتهر بمؤذن جعبر، قال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): «المؤذن والده» (^٤).
٢ - سمع الحديث عن: أبي الحجاج يوسف بن خليل بن قُرَاجَا بن عبد الله الدمشقي الأَدَمِيُّ، أبو الحجاج الحافظ (ت: ٦٤٨ هـ) (^٥)، قال الناظم عنه في عوالي مشيخته: «الشيخ شمس الدين أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي، محدثٌ مجيدٌ، سمع والدي عليه جزء ابن عرفة، وأجازناه» (^٦)، وذكر البِرْزَالِيُّ (ت: ٧٣٩ هـ) إجازته للناظم، فقال: «ووقفت على إجازته له بخطه على نسخة بـ «جزء ابن عرفة» (^٧).
_________________
(١) بالفتح، ثم السكون، وباءٌ موحَّدَةٌ مفتوحةٌ، وراءٌ، وقلعة جعبر: على الفرات بين بالس والرقة قرب صِفِّين. انظر: معجم البلدان: ٢/ ١٦٥، ومراصد الاطلاع: ١/ ٣٣٥.
(٢) انظر: المشيخة الشامية: ٢٦، ومعرفة القراء: ٧٩٧، والوافي بالوفيات: ٦/ ٤٩، وغاية النهاية: ١/ ٤٥.
(٣) انظر: الهبات الهنيات: ١٢، ومرآة الجنان: ٤/ ٢١٥، ومقدمة المحقق د: حسين محمد مقبولي الأهدل لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم: ٣٣، والجعبري ومنهجه في كنز المعاني: ١/ ٤١.
(٤) انظر: معرفة القراء: ٧٩٧.
(٥) هو الإمام يوسف بن خليل بن قَرَاجا بن عبد الله الدمشقي، نزيل حلب وشيخها، محدثٌ، حافظٌ، مؤرِّخٌ، (ت: ٦٤٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام: ١٤/ ٦١٠ - ٦١٢، وشذرات الذهب: ٧/ ٤١٩ - ٤٢١.
(٦) انظر: عوالي مشيخة الجعبري: ١٦، وذيول العبر: ٤/ ٩٤.
(٧) انظر: المشيخة الشامية: ٢٦.
[ ٤ ]
٣ - قال الناظم في ترجمة الشيخ كمال الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن المسحي (^١): «قاضينا، روى في رحلته إلى بغداد عن محيي الدين يوسف ابن الجوزي (^٢)، وقرأ عليه جزء ابن عرفة (^٣)، وسمعته ووالدي عليه، وأحكام عبد الحق الصغرى (^٤)، كنت أحضر درسه وأنا ذو عشر، فلما تولَّاها الشيخ شمس الدين الأصفهاني (^٥) نزَّلني بها، وأثنى على اشتغالي» (^٦).
_________________
(١) انظر: عوالي مشيخة الجعبري: ١٦، ولم أجد له ترجمةً فيما توافر لديَّ من مصادر، وسمَّاه تلميذاه البرزاليُّ (ت: ٧٣٩ هـ) في المشيخة الشامية: ٢٦، وابن رافع السلامي (ت: ٧٧٤ هـ) في تاريخ علماء بغداد: ١١: «القاضي كمال الدين محمد بن أبي الحسن بن سالم بن مسلم المنْبِجي الشافعي»، وسمَّاه ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) في الدرر الكامنة: ١/ ٥٠: «محمد بن سالم المنبجي ابن البواري»، وسمَّاه السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في بغية الوعاة: ١/ ٤٢١: «محمد بن سالم المنبجيّ»، كان حيًّا سنة: (٦٥٠ هـ)، لأن الناظم حضر درسه وهو ابن عشر سنين.
(٢) هو الإمام يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، العلامة محيي الدين أبو المحاسن، الواعظ البغدادي الحنبلي، قرأ بالروايات العشر هو ووالده على أبي بكر ابن الباقلاني، وسمع من ابن كليب وعبد الله ابن عبد السلام وأبيه وعدة، وحدَّث ببغداد وغيرها، قُتِلَ شهيدًا هو وابناه: جمال الدين المحتسب وتاج الدين عبد الكريم، سنة: ٦٥٦ هـ. انظر: صلة التكملة: ٣٧٣، وتاريخ الإسلام: ١٤/ ٨٥٤ - ٨٥٥.
(٣) مؤلفه الإمام: أبو علي الحسن بن عرفة بن يزيد العبديُّ البغداديُّ، اختلف في سنة وفاته، فقيل: (٢٥٧ هـ)، وقيل غير ذلك، وطبع بعنوان: جزء الحسن بن عرفة العبدي، حَقَّقَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وَخَرَّجَ أَحَادِيثَهُ وَآَثَارَهُ: عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي.
(٤) هو: أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله، الأزدي الأندلسي الإشبيلي البجائي، ويعرف بابن الخراط، روى عن أبي الحسن شريح وجماعة، وحدَّثَ عنه جماعة، نزل بجاية، وولي خطابتها، وبها توفي في ربيع الآخر سنة: ٥٨١ هـ، بعد محنةٍ نالته. انظر: تاريخ الإسلام: ١٢/ ٧٢٩ - ٧٣١، والوافي بالوفيات: ١٨/ ٣٩ - ٤٠، وكتابه بعنوان: الأحكام الشرعية الصغرى "الصحيحة". تحقيق: أم محمد بنت أحمد الهليس.
(٥) هو: أبو عبد الله محمد بن محمود الكافي، العلامة شمس الدين الأصبهانيُّ الأصوليُّ، قدم الشام بعد سنة: ٦٥٠ هـ، وناظر الفقهاء، واشتهرت فضائله وانتهت إليه الرياسة في معرفة أصول الفقه، وَشَرَحَ "المحصول" للإمام الرازي، وَصَنَّفَ كتاب "القواعد"، وله "غاية الطلب" في المنطق، وله معرفة بالأدب والشعر، ولد بأصبهان سنة: ٦١٦ هـ، وتوفي بالقاهرة سنة: ٦٨٨ هـ. انظر: تاريخ الإسلام: ١٥/ ٦١٩ - ٦٢٠، فوات الوفيات: ٤/ ٣٨.
(٦) عوالي مشيخة الجعبري: ١٦.
[ ٥ ]
٤ - ذكر الناظم أنَّ والده قرأ على الحافظ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني (ت: ٦٥٢ هـ) (^١)، كتابه "المنتقى من أحاديث الأحكام" (^٢)، وأجازهما به، وأجازهم كذلك بكتاب ابن عمِّهِ فخر الدين (^٣) "ديوان الخطب" (^٤).
٥ - قال الناظم في عوالي مشيخته في ترجمة الشيخ نجم الدين عبد الله البَادَرَائِيُّ (ت: ٦٥٥ هـ) (^٥): «سمعت ووالدي عليه جزءًا عند عبوره علينا في رسالة الخليفة» (^٦).
_________________
(١) هو: الإمام أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، مجد الدين بن تيمية الحراني الحنبليُّ المقرئ، أحد الأئمة الأعلام في علوم الإسلام، قرأ بكتاب المبهج على الشيخ عبد الواحد بن سلطان، وقرأ عليه بالروايات أبو عبد الله القيروانيُّ، وحدَّث عنه جماعة. ولد في حدود سنة: ٥٩٠ هـ، وتوفي سنة: ٦٥٢ هـ. انظر: معرفة القراء: ٧٠٩ - ٧١٠، وغاية النهاية: ٢/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
(٢) طُبِعَ بعنوان: المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية ﷺ، تحقيق وتعليق: طارق بن عوض الله بن محمد، ١٤٢٩ هـ، دار ابن الجوزي، الرياض، وأشهر شروحه: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، للإمام محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، قدم له واعتنى به وخرج أحاديثه: رائد بن صبري ابن أبي علفة، ٢٠٠٤ م، بيت الأفكار الدولية، لبنان.
(٣) هو: أبو الفرج فخر الدين عبد القاهر بن أبي محمد بن أبي القاسم ابن تيمية الحراني الحنبلي، سمع من جدِّهِ، ومن أبي المنجَّى عبد الله بن عمر ابن اللِّتِّي، وحدَّث بدمشق، وخطب بجامع حران. ولد بحران سنة: ٦١٢ هـ، وتوفي سنة: (٦٧١ هـ). انظر: صلة التكملة: ٢/ ٦٣٧، وشذرات الذهب: ٧/ ٥٨٣، وتسهيل السابلة: ٢/ ٨٥٨.
(٤) لم أجد له ذكرًا لا مخطوطًا ولا مطبوعًا، حسبما توافر لدي من مصادر.
(٥) في المخطوط والمطبوع «البَاذَالِيُّ»، واختلف فيه، فقيل: «البَاذَرَائِيُّ»، وقيل: «البَدْرَائِيُّ»، وقيل: «البَادْرَائِيُّ»، والصوابُ «البَادَرَائِيُّ»، وهو: القاضي أبو محمد عبد الله بن أبي الوفاء محمد بن الحسن، الإمام نجم الدين البغدادي الشافعي الفرضي، وسمع من عبد العزيز بن منينا، وأبي المنصور الرزاز، وغيره، كان فاضلًا، بارعًا، رئيسًا، وقورًا، متواضعًا، تَفَقَّهَ، وَبَرَعَ، ودَرَّسَ بالنظامية ببغداد، وولي بها القضاء مُدَّةً على كُرْهٍ، ولد سنة: (٥٩٤ هـ)، وتوفي سنة: (٦٥٥ هـ). انظر: العبر: ٣/ ٢٧٦، والوافي بالوفيات: ١٧ - ٣١٣، وطبقات الشافعية الكبرى، للسُّبكي: ٨/ ١٥٩، والبداية والنهاية: ١٣/ ٢٢٢، وشذرات الذهب: ٧/ ٤٦٤. قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «البَادَرَائِيُّ: بفتح الموحدة والدال والراء المهملتين، نسبة إلى: بَادَرَايا، قرية من عمل واسط». انظر: لب اللباب في تحرير الأنساب: ١/ ٢٥.
(٦) انظر: عوالي مشيخة الجعبري: ١٢، ١٦.
[ ٦ ]
٦ - قال علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (ت: ٧٣٩ هـ): «والذي يغلب على الظنِّ أنَّ والد الشيخ برهان الدين الذي استجاز لولده من جماعةٍ ممن أدركهم، فإنه كان من طلبة الحديث، وله اعتناءٌ بذلك، ولكن ذهبت الكتب والأوراق لما خَرِبَتِ البلادُ ودخلها التتار» (^١).
٧ - وُجِدَتْ سماعات على الشيخ الإمام العالم الوحيد الحافظ شيخ الإسلام شمس الدين أبي الحجَّاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقيّ (ت: ٦٤٨ هـ)، لكتاب المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم لأبي نعيم الأصبهاني (ت: ٤٣٠ هـ): وكان ممن سمعه عليه (أبو حفص عمر بن إِبراهيم بن خليل المؤذِّن الجعبري)، وهو والد الناظم، وكانت هذه السماعات بحلب (^٢).
٨ - وهناك قراءة على مخطوطةٍ للناظم، وهو: «رسوم التحديث في علوم الحديث (^٣)»، من أحد تلاميذه، وكاتبه: يحيى بن إبراهيم بن يحيى الغزي الشافعي (^٤)، قال فيه: «أما بعد: حمدا لله الذي علم بالقلم وفضل من بالعلم اتسم فقد قرأت جميع هذا المصنف الملقب بـ «رسوم التحديث في علوم الحديث» على مؤلفه الشيخ الإمام العالم العامل الصدر الكامل الورع العلامة مفتي المسلمين لسان المتكلمين فريد دهره، ووحيد عصره والمنفرد بعلوم الفنون في هذا العصر والسنين برهان الدين أبو محمد إبراهيم بن الشيخ الإمام العالم العامل العدل المرتضى … سراج الدين أبي حفص عمر بن الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين الرَّبَعِي الجعبري المتصدر للإقراء بحرم خليل الله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه …» (^٥).
فهذا السَّمَاع فيه دلالةٌ على أنَّ والد الناظم وَجَدِّهِ أيضًا، كانت لهما مشاركة في العلم. والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المشيخة الشامية: ٢٦.
(٢) استفدتها باختصار من كتاب: الإمام برهان الدين الجعبري حياته وآثاره، م. عيسى خيري الجعبري (ص: ٢٠)، وانظر هذه السماعات في المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم لأبي نعيم الأصبهاني (ت: ٤٣٠ هـ): ١/ ١٨٤، ٣٣٨، ٢/ ١٤٦، ٢٢١، ٣٠٠، ٣٩٤، ٤٩٧، ٤٩٩، ٣/ ٢٤٩، ٤/ ٢١، ١٠٢.
(٣) حققه الطالب/ أحمد لطفي فتح الله، للحصول على درجة الماجستير، الجامعة الأردنية، ١٩٩٤ م.
(٤) لم أجد له ترجمةً فيما توافر لديَّ من مصادر.
(٥) استفدتها باختصار من كتاب: الإمام برهان الدين الجعبري حياته وآثاره، م. عيسى خيري الجعبري: ٢٠ - ٢١، وانظر: رسوم التحديث في علوم الحديث، تحقيقًا ودراسةً، إعداد الطالب: أحمد لطفي فتح الله، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، ١٩٩٤ م، (ص: ٣٩ - ٤٠).
[ ٧ ]
وللناظم أخٌ -أصغر منه سنًّا- يُدعى: أبا عبد الله محمد بن عمر بن إبراهيم الجعبري، ولد سنة: (٦٤٢ هـ). تقريبًا، وأجاز له يوسف بن خليل (ت: ٦٤٨ هـ)، وَأَخَذَ عنه البرزالي (ت: ٧٣٩ هـ)، وقال: «شيخٌ مباركٌ، مقيمٌ بمشهد جعفر الطيار، بالقرب من الكَرَكْ (^١) أكثر من عشرين سنة، وثقُلَ سمعُهُ، قرأت عليه سنة: (٧٢٨ هـ) ـ» (^٢).
وقد أخبرنا الناظم عن نفسه بأنه بَدَأَ بالقراءة والسماع على علماء بلده وهو في التاسعة من عمره، أي في عام: (٦٤٩ هـ) (^٣).
وسمع - كذلك - من أخيه الحافظ إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي الأَدَمِيُّ (ت: ٦٥٨ هـ) (^٤).
قال الأسنوي (ت: ٧٧٢ هـ) في ترجمة الناظم: «قرأ على ابن يونس (ت: ٦٧١ هـ)، صاحب "التعجيز"، وسَمِعَ عليه كتابه، وصنَّف تصانيف كثيرة، منها: "تكملة شرح التعجيز"، فإنَّ مصنِّفه وصل فيه إلى أثناء الجنايات» (^٥).
فأسرةٌ هذا تاريخها، تعتبر من أهم المقومات الكفيلة ببناء شخصية الناظم، وتفوقه العلمي على نظرائه وقرنائه.
_________________
(١) كَرَك: بفتح أوله وثانيه، وكاف أخرى، ، اسم لقلعة حصينة جدًا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيلة وبحر القلزم وبيت المقدس، وهي على جبلٍ عالٍ، تحيط بها أودية إلا من جهة الربض. معجم البلدان: ٤/ ٥١٤.
(٢) انظر: الدرر الكامنة: ٤/ ١٠٢، ومقدمة المحقق د: حسين محمد مقبولي الأهدل لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم: ٣٤.
(٣) انظر: برنامج الوادي آشي: ٥١.
(٤) هو: نجيب الدين أبو إسحاق إبراهيم بن خليل الدمشقي الأدمي، سمع من: عبد الرحمن بن علي الخرقي، ويحيى الثقفي، وجماعة، حَدَّثَ بدمشق وحلب، ولد سنة: ٥٧٥ هـ، وأَعْدَمَهُ التتار بحلب سنة: ٦٥٨ هـ. انظر: الوافي بالوفيات: ٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧، والعبر: ٥/ ٢٤٤، والدرر الكامنة: ١/ ٥٠، وشذرات الذهب: ٧/ ٥٠٥.
(٥) انظر: الوافي بالوفيات: ٦/ ٤٩، وطبقات الشافعية، للأسنوي: ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦، وكشف الظنون: ١/ ٤١٧.
[ ٨ ]