ولا يُعرف أيضًا تاريخ هذه الرحلة وإنما كانت قبل سنة: (٦٨٨ هـ) (^٥)، وعاش فيها أكثر من أربعين عامًا (^٦)، ورحل الناس إليه (^٧)، وصنَّف التصانيف، واشتهر ذكره، وبَعُدَ صيته (^٨)، وصار مقصدًا لطلاب العلم الذين رحلوا للسَّمَاع منه والقراءة عليه (^٩)، وَتَقَلَّدَ فيها مشيخة الحرم الإبراهيمي، وتولى بها الإفتاء والقضاء والخطابة والتدريس (^١٠)، بعد الشيخ بديع الدين علي بن محمد بن علي بن بركات الأنصاري المصري (ت: ٦٨٦ هـ) (^١١)، وأدرك أحفاده، وأجاز بعضهم، وما زالت هذه الأسرة في الخليل إلى اليوم.
_________________
(١) انظر: معرفة القراء: ٧٩٧.
(٢) انظر: الوافي بالوفيات: ٦/ ٤٩، والسُّمَيْسَاطِيَّة: نسبةً إلى (سُمَيْسَاط) بضم أوله، وفتح ثانيه، وياء مثناة من تحت ساكنة، وسين أخرى، ثم بعد الألف طاءٌ مهملةٌ: مدينةٌ على شاطئ الفرات في طرف الروم، غربي الفرات. انظر: معجم البلدان: ٣/ ٢٩٣، ومراصد الاطلاع: ٢/ ٧٤١، ومنادمة الأطلال: ١٣٤.
(٣) انظر: معرفة القراء: ٧٩٨، والغَزَّالِيَّة: زاوية بالجامع الأموي في الجهة الشمالية الغربية شمالي مشهد عثمان، وهي الآن مشهد من مشاهد الجامع، وأول من درَّس بها الشيخ: نصر المقدسي (ت: ٤٩٠ هـ). انظر: منادمة الأطلال: ٢٧٦، خطط الشام: ٦/ ٨٧، ١٤٣.
(٤) انظر: الدرر الكامنة: ١/ ٥٠.
(٥) انظر: مقدمة المحقق د: حسين محمد مقبولي الأهدل لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم: ٣٩ - ٤٠، والجعبري ومنهجه في كنز المعاني: ١/ ٦٦.
(٦) انظر: تاريخ ابن الوردي: ٢/ ٢٩٠، والوافي بالوفيات: ١/ ٤٩.
(٧) انظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة: ٢/ ٣١٩.
(٨) انظر: معرفة القراء: ٧٩٧، والوافي بالوفيات: ٦/ ٤٩.
(٩) انظر: ذيول العبر: ٤/ ٩٤، ومرآة الجنان: ٣/ ٢١٥، والأنس الجليل: ٢/ ٢٥١.
(١٠) انظر: برنامج الوادي آشي: ٥١.
(١١) هو: الشيخ بديع الدين علي بن محمد بن علي بن بركات الأنصاري المصري، شيخ الإقراء بالخليل، مقرئٌ مُصَدَّرٌ، قرأ على الكمال الضرير العباسي، وروى بالإجازة عن ابن رَوَاج، وابن الجُمَّيْزي، أخذ عنه: محمد بن عمر بن محمد بن رشيد، عاش: ٤٨ سنة، وتوفي سنة: (٦٨٦ هـ). انظر: تاريخ الإسلام: ١٥/ ٥٧٦، وغاية النهاية: ٢/ ٨٢٨.
[ ١١ ]
وذكر الدكتور الأهدل (ت: ١٤٣٦ هـ) في مقدمة تحقيقه (^١) لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم، أنَّ الناظم رحل إلى المدينة عام: (٦٨٨ هـ)، وهذا لا يَصِحُّ، وقد أحال -﵀ - إلى نسخة مخطوطة للناظم لكتابه (خلاصة الأبحاث في شرح نهج القراءات الثلاث) (^٢)، والصواب أَنَّ في آخرها ما نصه: «وهذا آخر ما يسر الله تعالى من إملاء شرح النهج، كمل بمدينة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل على نبينا محمد وعليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك في شعبان المبارك، سنة ثمان وثمانين وستمائة». انتهى.
إذن، وبعد الرجوع إلى المخطوط تبين أنه كتب بالخليل وليس بالمدينة المنورة، كما ذكر - ﵀ - وجميع موتى المسلمين.
ولا يبعد أَنّ الناظم قد زار المدينة المنورة وحج بيت الله الحرام، ولكنَّ أحدًا لم يذكر ذلك، وخاصةً أَنَّ له مؤلفًا في (مناسك الحج) (^٣)، وله مؤلفًا آخر سمَّاه (محرك الغرام الساكن إلى أشرف المساكن) (^٤)، واستنتج اليزيدي (ت: ١٤٢٤ هـ) أنه قدم الخليل قبل سفره للمدينة بسنة أو قبل السنة (^٥). والله أعلم.
وذكر الدكتور الأهدل (ت: ١٤٣٦ هـ) أيضًا في مقدمة تحقيقه (^٦) لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم، أنه رحل إلى مصر، وذلك أنه قرأ في مقدمة كتاب (الجميلة شرح العقيلة) قول الإمام السخاوي (^٧) - الشارح -: «ومما رأيت أنا من ذلك على قبر ابن عبادة (^٨) بمصر - ﵀ -:
يَا مَاشِيًا بِالقُبُورِ زَهْوًا … لَمْ تَنتَبِهْ لِلْمنُونِ رِيحُ
عَرِّجْ قَلِيلًا عَلَى غَرِيبٍ … قَدْ ضَمَّهُ مُفْرَدًا ضَرِيحُ
بَيْتٌ تَسَاوَى الْأَنَامُ فِيهِ … الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ الصَّرِيحُ
وَقِفْ عَلَيْهِ وَجُدْ بِرُحْمَى … لَعَلَّهُ فِيهِ يَسْتَرِيحُ
وهذه الرحلة لا تصحُّ -كذلك - والرَّدُّ على هذه والتي قبلها بوجهين:
_________________
(١) انظر: مقدمة المحقق د: حسين محمد مقبولي الأهدل لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم: ٤٠ - ٤١.
(٢) في المكتبة الأزهرية برقم: (١٤٠١) قراءات ضمن مجموع (١٦٨ - ٢١٨)، ومنها نسخة مصورة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (مكرو فيلم ٤٣٣)، وقد حُقِّقَ ثلاث مرات: الأولى: تحقيق الطالب: قارئ محمد إبراهيم بن حافظ محمد عبد الله الباكستاني، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، (١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م). والثانية: بتحقيق السيد عبد الوهاب رزق الطويل، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، (١٩٩٠ م)، والثالثة: بتحقيق: أبو عاصم المراغي إبراهيم بن نجم الدين بن محمود أحمد، وطبعته دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، القاهرة، (١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م)، استفدتها باختصار من كتاب: الإمام برهان الدين الجعبري حياته وآثاره، م. عيسى خيري الجعبري: ٣٣ - ٣٤.
(٣) انظر: الأنس الجليل: ٢/ ٢٥١، وكشف الظنون: ٢/ ١٨٣١.
(٤) انظر: الهبات الهنيات، تحقيق: د. ظمياء السامرائي: ٤٤.
(٥) انظر: الجعبري ومنهجه في كنز المعاني، لليزيدي: ١/ ٦٦.
(٦) انظر: مقدمة المحقق د: حسين محمد مقبولي الأهدل لكتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للناظم: ٤١.
(٧) هو: علم الدين علي بن محمد الهمداني السخاوي الدمشقي، شيخ الإقراء بدمشق، إمام كامل ومقرئ محقق ونحوي علامة، قرأ على أبي القاسم الشاطبي وغيره، وقرأ عليه أبو شامة المقدسي وغيره، (ت: ٦٤٣ هـ). انظر: معرفة القراء: ٦٨٥، وغاية النهاية: ٢/ ٨٢٣.
(٨) لم أجد له ترجمةً فيما توافر لديَّ من مصادر.
[ ١٢ ]
الأول: أنه لا يوجد أحد ممن ترجم للناظم ذكر هاتين الرحلتين له، سواءٌ ممن عاصره في حياته من تلاميذه، أو ممن ترجم له بعد وفاته.
غير أني وَجَدتُّ تقي الدين المقريزي (ت: ٨٤٥ هـ) قال في ترجمته للناظم: «…، وقدم إلى دمشق فنزل بِالسُّمْسِيَاطِيَّة، وأعاد بالغَزَّالِيَّة، وباحث وناظر، وقدم إلى القاهرة ثم عاد إلى دمشق، …» (^١). والعلم عند الله تعالى.
الثاني - وهو خاصٌّ بالرحلة الثانية -: ظنَّ - الدكتور الأهدل (ت: ١٤٣٦ هـ) ﵀ - أَنَّ هذه الأبيات من قول الناظم (^٢)، وإنما هي من قول الإمام السخاوي - الشارح-.
وبقي أن أذكر أَنَّهُ في سنة: (٦٩٠ هـ) وُلِدَ ابنه محمد بن إبراهيم في بلد الخليل (^٣)، وأخذ المشيخة بعد وفاة والده.
_________________
(١) المقفى الكبير: ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) ذكر الناظم هذه الأبيات في شرحه: جميلة أرباب المراصد، وزاد عليها ثلاثة أبيات، وهي: وَهَيِّئِ الزَّادَ وَاغْتَنِمْهُ … وَأَنتَ فِي ظَهْرِهَا صَحِيحُ فَعَنْ قَلِيلٍ تُرَى وَحِيدًا … يَحْوِيكَ فِي بَطْنِهَا الصَّفِيحُ رَهِينُ مَا قَدْ جَنَيْتَ فَادْأَبْ … فِي فِعْلِكَ الْخَيْرَ يَا طَرِيحُ انظر: جميلة أرباب المراصد: ٨٧، والجعبري ومهجه في كنز المعاني، لليزيدي: ١/ ٦٦، وشرح عقود الجمان: ١/ ٩٦.
(٣) هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عمر الجعبري، ولد سنة: (٦٩٠ هـ)، وَعُمْرُ أبيه: ٥٠ سنةً، شيخ الخليل بعد وفاة والده، تلا على والده وسمع من الحديث، واستجاز له والده جمعًا، وولي مشيخة الخليل بعد والده، زوجه والده، وأنجب أولادًا، أجاز بعضهم الناظم، وانتشر فيهم العلم، ومن ذريته انتشرت أسرة الجعبري في الخليل إلى يومنا هذا، توفي سنة: ٧٤٩ هـ. انظر: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣، والإمام برهان الدين الجعبري حياته وآثاره، م. عيسى خيري الجعبري: ١٧.
[ ١٣ ]