قال القاضي أبو الفضل عياض السبتي عند التعريف به وقد أجازه المازري بتآليفه من المهدية (١):
«هُوَ إِمَامُ بِلاَدِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَا وَرَاءَهَا مِنَ المَغْرِبِ، وآخِرُ المُشْتَغِلِينَ مِنْ شُيُوخِ إِفْرِيقِيَّةَ بِتَحْقِيقِ الفِقْهِ وَمِمَّنْ بَلَغَ فِيهِ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ وَدِقَّةِ النَّظَرِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ أَفْقَهَ مِنْهُ وَلاَ أَقْوَى لِمَذْهَبِهِمْ، وَسَمِعَ الحَدِيثَ وَطَالَعَ مَعَانِيهِ، وَاطَّلَعَ عَلَى عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الطِّبِّ وَالحِسَابِ وَالآدَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَحَدَ رِجَالٍ الكَمَالِ فِي العِلْمِ فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الخُلُقِ، مَلِيحَ المَجْلِسِ، أَنِيسُهُ، كَثِيرُ الحِكَايَةِ وَإِنْشَادِ قِطَعِ الشِّعْرِ، وَكَانَ قَلَمُهُ فِي العِلْمِ أَبْلَغَ مِنْ لِسَانِهِ. كَتَبَ إِلَيَّ مِنَ
_________________
(١) كتاب " الغنية " للقاضي عياض في ذكر مشيخته (خط بمكتبة المرحوم الصادق النيفر بتونس).
[ ٥٧ ]
المَهْدِيَّةِ يُجِيزُنِي كِتَابَهُ المُسَمَّى بـ " المُعْلِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرُهُ مِنْ تَوَلِيفِهِ الخ».
وزاد ابن فرحون على كلام القاضي عياض بقوله (١):
«كَانَ أَحَدَ رِجَالِ الكَمَالِ فِي وَقْتِهِ فِي العِلْمِ، وَإِلَيْهِ كَانَ يُفْزَعُ فِي الفَتْوَى، وَكَانَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - حَسَنَ الخُلُقِ، مَلِيحَ المَجْلِسِ، أَنِيسَهُ، كَثِيرُ الحِكَايَاتِ وَإِنْشَادِ قِطَعِ الشِّعْرِ، وَكَانَ قَلَمُهُ فِي العِلْمِ أَبْلَغَ مِنْ لِسَانِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَلاَ أَقْوَمَ لِمَذْهَبِهِمْ».
وقال قاضي القضاة ابن خلكان (٢): «هُوَ أَحَدُ الأَعْلاَمِ المُشَارِ إِلَيْهِمْ فِي حِفْظِ الحَدِيثِ وَالكَلاَمِ عَلَيْهِ وَكَانَ فَاضِلًا مُتَفَنِّنًا».
وقال أبو العباس المقري (٣): «الإِمَامُ المُجْتَهِدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ المَازَرِيُّ، عُمْدَةُ النُّظَّارِ، وَمِحْوَرُ الأَمْصَارِ، المَشْهُورِ فِي الآفَاقِ
_________________
(١) " الديباج " المذكور: ص ٢٨٠.
(٢) " وفيات الأعيان ": ج ١ ص ٤٨٦.
(٣) " أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض "، لأبي العباس أحمد المقري صاحب " نفح الطيب "، خط بمكتبتي.
[ ٥٨ ]
وَالأَقْطَارِ، حَتَّى عُدَّ فِي المَذْهَبِ إِمَامًا، إِذْ مَلَكَ فِي مَسَائِلِهِ زِمَامًا الخ».
وقال الورتلاني في " رحلته " (١): «الإِمَامُ النُّظَّارُ المُجْتَهِدُ، القَوِيُّ البَاعِ فِي تَحْقِيقِ النَّظَرِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ المَازَرِيُّ الخ».
وفي الحقيقة أننا لسنا في حاجة إلى إثبات مرتبة هذا الإمام الجهبذ وَالعَلَمِ الفَرْدِ بإيراد شهادات المؤرخين فيه، أو ثناء العلماء عليه، ما دامت مؤلفاته القيمة بين أيدينا، وهي - بلا مراء - الحجة القوية على علو مقامه العلمي، ونيله بحق الصيت العالمي الذي حاز به رياسة عصره بلا منازع.