كان في مقدمة هؤلاء «العشرة التابعون» الذين عينهم الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة مائة من الهجرة، لتفقيه الأفارقة في الدين، وإرشادهم إلى هديه، وإشرابهم مُثُلَهُ العُلْيَا، ونحن نخص بالذكر منهم:
- إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي، عامل عمر بن عبد العزيز على المغرب "ورأس البعثة الدينية، فقيه صالح، يروي عن عبد الله بن عمر، وفُضالة بن عبيد، وروى عنه الأوزاعي بالشرق، وعبد الرحمن بن زياد وغيره بالقيروان، وعلى يده أسلم العدد الغالب من البربر، وكان على إسلامهم حريصًا، مات بالقيروان سنة ١٣٣ هـ.
- عبد الله بن يزيد المعافري المعروف بِالحُبُلِيِّ، يروي عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن
[ ١١ ]
عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجُهَنِيِّ، وغيرهم، شهد فتح الأندلس مع موسى بن نصير، ثم استوطن القيروان، واختط بها دَارًا ومسجدا وَكُتَّابًا في ناحية باب تونس، وانتفع به جماعة من الأفارقة، وبث فيهم علمًا كثيرًا، مات سنة ١٠٠ هـ وقبره بالقيروان معروف.
- عبد الرحمن بن رافع التنوخي، من فضلاء التابعين، يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعن جماعة من الصحابة، وعنه يروي عبد الرحمن بن زياد وغيره، وهو أول من تولى القضاء بالقيروان بعد بنائها، وَلاَّهُ إياه الأمير موسى بن نصير سنة ٨٠ هـ وكان عدلًا في أحكامه، وهو الذي يروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ: (*) " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدٍ: أَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَالْآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ، فَقَالَ: «كِلاَ الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَا هَؤُلاَءِ فَيَدْعَوْنَ اللهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ، وَيُعَلَّمُونَ الْجَاهِلَ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) انظر " سنن الدارمي "، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، ١/ ٣٦٥، حديث رقم ٣٦١، الطبعة: الأولى: ١٤١٢ هـ - ٢٠٠٠ م، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية.
[ ١٢ ]
مُعَلِّمًا، فَجَلَسَ مَعَهُمْ». أخرجه الترمذي (*) عن عبد الله بن عمرو؛ وتوفى ابن رافع بالقيروان سنة ١١٣ هـ.
- ومنهم إسماعيل بن عبيد الأنصاري، كان من العلماء الفضلاء، يروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، ويروي عنه من أهل إفريقية بكر بن سوادة الجذامي، وعبد الرحمن بن زياد وسواهما، ومن مواليه عبد الملك بن أبي كريمة الآتي ذكره، وانتفع به خلق كثير من الأفارقة، وهو الذي بنى المسجد الكبير المعروف " بمسجد الزيتونة " في القيروان، كما أنشأ بها سوقًا للتجارة غربي مسجده، كانت تسمي " سوق إسماعيل "، وقد خرج مجاهدًا على سبيل التطوع في إحدى غزوات صقلية، ففرق في البحر سنة ١٠٧ هـ.
وما من واحد من بقية " العشرة التابعين " إلاكان يروي الحديث عن الصحابة، ويتقن التفسير والفقه، وإلا اتخذ دارًا لسكناه، ومسجدًا لصلاته، وكتابًا لتعليم الناشئة، وقد تفقه
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]: (*) لم أجده في " سنن الترمذي ". انظر " المدخل إلى السنن الكبرى "، للبيهقي، تحقيق الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص ٣٠٦، حديث رقم ٤٦٢، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت
[ ١٣ ]
على أيديهم جمع كبير، هم المربون الأولون لأبناء البلاد، وهم الذين لقنوهم علوم الشريعة.