ومن التابعين الذين دخلوا إفريقية كثرت عنهم الرواية:
- يحي بن سعيد بن فهد الأنصاري، وجده فهد من الصحابة، وكانت ابنته خولة زوج حمزة بن عبد المطلب عم النبيء - ﷺ -، ولد يحيى بالمدينة، وروى الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، ومعاذ، والسائب بن زيد، وعمرة بنت عبد الرحمن، وقد روى عنه أغلب أيمة الاجتهاد، مثل أبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، والزهري، والاوزاعي، وغيرهم، وكان يحيى فقيهًا مُحَدِّثًا ثقة مأمونًا، قيل إن جملة ما كان يحمله من الحديث: ثلاثمائة يسندها إلى وجوه من الصحابة والصحابيات، ودخل يحيى إفريقية على رأس القرن الثاني للهجرة أرسله إليها الخليفة عمر بن عبد العزيز عاملًا على الصدقات خاصة، ونزل يحيى مدينة تونس، وجالس بها خالد
[ ١٤ ]
ابن أبي عمران التُّجِيبِي، وأخذ كل منهما عن صاحبه كما سمع منه خلق كثير من أبناء تونس والقيروان، ومما هو جدير بالملاحظة أن رواية الأفارقة للحديث كانت أكثر ما كانت بطريق المدنيين وسندهم، ويلوح لي أن ذلك هو السبب الأصيل في ميل الأفارقة من بعد إلى الأخذ بآراء أهل المدينة في الفقه، وإيثار الكثير منهم لمذهب مالك بن أنس وصحبه وقد قال الإمام الشافعي: «إذَا جَاوَزَ الحَديثُ الحَرَمَيْنِ (المَدِينَةِ وَمَكَّةَ) فَقَدْ ضَعُفَ نُخَاعُهُ» (١).
ومهما يكن من أمر فقد سار يحيى في إفريقية سيرة الأخيار البررة الساعين لنشر تعاليم الملة السمحة، السالكين سبيل العفة والنزاهة في القول والعمل، وأقام يحيى في تونس نحو عشرين سنة بث في أثنائها علمًا كثيرًا، وأخلاقا مرضية، وتوفي سنة ١٤٣هـ (٧٢٠ م).