ثم كانت طبقة أخرى شهدت جلاء الشيعة إلى مصر، وقيام الأمراء من بني زيري الصنهاجيين مكان بني عبيد الله الفاطميين، وقد خفت وطأة التضييق على المالكية إذ أصبح جمعهم بمأمن من المقاومة والتنكيل، وفي ذلك الحين نبغ فقهاء أعلام، في مقدمتهم:
[ ٣٠ ]
- عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد، تلميذ ابن اللباد وغيره، وبرع في علوم الشريعة، حتى انتهت إليه إمامة المالكية ورياستها في عصره، وإليه كانت الرحلة من آفاق المغرب، حتى قيل فيه «مالك الأصغر»، وعني بالتأليف، وملأت مصنفاته البلاد، وهو الذي لخص المذهب المالكي، وَرَجَّحَ أَقْوَالَهُ، وجمع بين آراء المتقدمين، ولا سيما في كتابه " النوادر والزيادات " على " المدونة "، إذ استوعب فيه فروع المذهب، فصار بمثابة، " مسند أحمد بن حنبل " عند المحدثين، وهو يخرج في أكثر من عشرين جُزْءًا كبيرًا (١)، وقال ابن خلدون فيه: «وَجَمَعَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ جَمِيعَ مَا فِي الأُمَّهَاتِ مِنَ المَسَائِلِ وَالخِلاَفِ وَالأَقْوَالِ فِي كِتَابِ " النَّوَادِرِ " فَاشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ أَقْوَالِ المَذَاهِبِ، وَفَرْعِ الأَمَّهَاتِ كُلِّهَا فِي هَذَا الكِتَابِ وَزَخَرَتْ بِحَارُ المَذْهَبِ المَالِكِيِّ فِي الأُفُقَيْنِ - المَغْرِبِيِّ وَالأَنْدَلُسِيِّ - إِلَى انْقِرَاضِ دَوْلَةِ قُرْطُبَةَ وَالقَيْرَوَانِ» (٢).
وقد ألف ابن أبي زيد " الرسالة المشهورة " التي جمعت في أوراق قليلة عقيدة أهل السنة (٣) والفروض في أسلوب بديع، وتناولها المفسرون بأكثر من مائة شرح،
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(٢) الكتاب: " النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات "، طبع الكتاب بتحقيق عبد الفتاح الحلو ومحمد الأمين بو خبزة، سنة ١٩٩٩ م، ١٥ مجلدًا، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.
(٣) انظر " تاريخ ابن خلدون " تحقيق خليل شحادة، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م: ١/ ٥٦٩، ٥٧٠، نشر دار الفكر. بيروت - لبنان.
(٤) انظر في ذلك: " ابن أبي زيد القيرواني وعقيدته في " الجامع " و" الرسالة "، دراسة في المنهج والمضمون، إعداد الشيخ الحبيب بن طاهر.، الطبعة الأولى: ٢٠٠٨ م مؤسسة المعارف للطباعة والنشر. بيروت- لبنان، (١٨٤ صفحة).
[ ٣١ ]
وترجم أصلها إلى غير لغة أجنبية، وله أيضًا ردود على أهل البدع والاهواء المخالفة للسنة، وعلى الجملة كان ابن أبي زيد - بعد حركة التشيع الظاهرة في البلاد - كالمجدد للسنة ولمذهب مالك خاصة " ويعد رأسًا للمدرسة المغربية التي محت ما قبلها، وكانت بَدْءًا للحركة الفقهية المنشورة في عهد الدولة الصنهاجية إلى إبان الزحف الهلالي، وتوفي ابن أبي زيد سنة ٣٨٦ هـ.
وقد تلقى عنه جماعة كثيرة من أشهرها:
- علي بن خلف المعافري المعروف بأبي الحسن القابسي، من كبار الفقهاء المحدثين، قرأ في القيروان، ثم رحل إلى المشرق، وسمع من علية رواة الحديث، وهو أول من أدخل " صحيح البخاري " إلى إفريقية، وألف كثيرًا في الفقه والحديث مثل " ملخصه لكتاب الموطأ " وغيره، أما أصحابه وتلاميذه فيعدون بالمئات من أفارقة ومغاربة وأندلسيين. ولا ننسى أنه كان في أوائل من أظهروا آراء أبي الحسن الأشعري ومذهبه في العقائد، ولقد سعى إلى نشر هذه الآراء في البلاد الإفريقية، وأيدها برسالة في مناصرة الأشعرية، وتوفي القابسي في سنة ٤٠٣ هـ.
[ ٣٢ ]
ثم كانت طبقة أخرى عاصرت الدولة الصنهاجية بالقيروان في عنفوانها وازدهار حضارتها، أعني في دولة باديس وابنه المعز، وقد أسهمت في قمع بقايا المنتسبين إلى مذهب الشيعة في إفريقية، وحرضت على قطع الصلة بالملوك الفاطميين المقيمين بمصر، وشاركت الأمراء في النداء بتوحيد المذهب في المغرب عامة، وفي حمل أهلية على استنان مذهب مالك دون سواه سنة ٤٣٠ هـ.
ومن أبرز هذه الطبقة:
- أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني، من تلاميذ ابن أبي زيد والقابسي، وحاز الذكر ورياسة الدين بالقيروان في وقته. مع أبي عمران القابسي، وتخرج عليه أصحاب يزيدون عن مائة وعشرين، وكلهم مقتدى بهم في المذهب، وتوفي سنة ٤٣٢ هـ.
- أبو الطيب عبد المنعم الكندي، من أجلاء الفقهاء، وأصحاب النظر في علوم الحساب والهندسة، وبه تفقه جماعة منهم: أبو الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما، وتوفي سنة ٤٣٥هـ.
[ ٣٣ ]
- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد اللبيدي، من صغار أصحاب ابن أبي زيد والقابسي، ألف كتابًا جامعًا في المذهب المالكي أزيد من مائتي جزء في عامة مسائل الفقه وبسطها وتفريعها، وزيادات على الأمهات ونوادر الروايات، توفي سنة ٤٤٠هـ.