حكى المقدسي في " رحلته " - وقد زار المغرب آخر القرن
_________________
(١) ج ١ ص ١٨١ من " رياض النفوس "، طبعة مصر ١٩٥١ م.
[ ٢٠ ]
الرابع للهجرة - رواية أخرى عن أخذ أسد بن الفرات لآراء أهل العراق، قال: «وَسَأَلْتُ علماء القيروان كيف وقع مذهب أبي حنيفة إليكم، ولم يكن على سابلتكم؟ - فقالوا: لما قدم عبد الله بن وهب من عند مالك - ﵀ - من المدينة إلى مصر، وقد حاز من الفقه والعلوم ما حاز، فاستنكف أسد بن الفرات أن يدرس عليه لجلالته وكبر نفسه، فرحل أسد إلى المدينة ليدرس على مالك، فوجده عليلًا، فلما طال مقامه عنده قال له مالك: " ارجع إلى ابن وهب فقد أودعته علمي، وكفيتكم به الرحلة، فصعب ذلك على أسد وسأل القوم: هل يعرف لمالك نظير؟ - فقيل له: فتى في الكوفة يقال له محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فرحل أسد إليه، وأقبل عليه محمد بن الحسن إقبالًا لم يقبله على أحد، ورأى فهمًا وحرصًا، فزقه الفقه زقًا فلما علم محمد أنه قد استقل، وبلغ مراده فيه سيبه إلى المغرب، فلما دخل اختلف إليه فتيان القيروان، ورأوا فروعًا حَيَّرَتْهُمْ وَدَقَائِقَ أَعْجَبَتْهُمْ، وَمَسَائِلَ مَا طَنَّتْ عَلَى أُذُنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَتَخَرَّجَ
[ ٢١ ]
على أسد الخلق، "وفشا مذهب أبي حنيفة - ﵀ - بالمغرب» (١).
ويبدو أن الحقيقة تجانب ما روى القدسي، فإن أسد بن الفرات لم يكن أول من أظهر آراء أهل العراق - أبي حنيفة وصحبه - بإفريقية، بل سبقه إلى ذلك بنصف قرن فقيه مُحَدِّثٌ جَلِيلُ القَدْرِ، هُوَ:
- عبد الله بن عمر بن فروخ، أبو محمد الفارسي، أصله من خراسان، وقدم أبوه إفريقية فولد له بها ابنه عبد الله سنة ١١٥ هـ، وقرأ على محدثيها، ثم قصد الشرق واتصل في العراق بالأعمش (سليمان بن مهران) التابعي، وحمل عنه كثيرًا من الحديث، ثم اجتمع في الكوفة بالإمام أبي حنيفة النعمان وصحبه مدة طويلة، وكتب عنه مسائل كثيرة، يقال إنها عشرة آلاف مسألة، وكان ابن فروخ يميل إلى مذهب النظر والاستدلال، فغلب عليه القياس على طريقة أهل العراق فيما يتبين له أنه الصواب، ويروى أنه ناظر يومًا زُفَرَ في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زُفَرُ لهيئته الإفريقية ولباسه المغربي، فلم يزل يناظره
_________________
(١) " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم "، للمقدسي طبعة ليدن سنة ١٨٧٧ م.
[ ٢٢ ]
حتى علا ابن فروخ عليه، وقطعه بالحجة والدليل، فأنكر أبو حنيفة على زفر ازدارءه بابن فروخ وعاتبه، ثم تحول ابن فروخ من العراق إلى الحجاز، ولقي الإمام مالك بن أنس، وسمع منه وتفقه عليه، وكتب عنه مسائل كثيرة معروفة، ثم عاد آخرًا إلى بلده القيروان، وانتدب لتعليم الناس، وانتفع به خلق كثير من أبناء البلاد، فعن فروخ، وعن تلاميذه انتشرت آراء أهل العراق في إفريقية، وكان هو أول من أظهرها بها. وكانت وفاته سنة ١٧٢ هـ.
من ذلك الحين انتشرت أقوال الإمام أبي حنيفة وأصحابه في إفريقية أيما انتشار، ولبثت تزدهر من أواخر القرن الثاني إلى أواسط القرن الرابع.
وقد نَبَّهَ المقدسي في " رحلته "إلى الوفاق بين الحنفيين والمالكيين بقوله: « وَمَا رَأَّيْتُ فَرِيقَيْنِ أَحَسَنَ اِتِّفَاقًا وَأَقَلَّ تَعَصُّبًا مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ القَيْرَوَانِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَحْكُونَ عَنْ قُدَمَائِهِمْ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٍ عَجِيبَةٍ حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ [الحَاكِمُ] أَي القَاضي - سَنَةً حَنَفِيًّا، وَسَنَةً مَالِكِيًّا»
[ ٢٣ ]
وقد حدث مثل ذلك بالفعل في مدة بني الأغلب، فلما سقطت دولتهم، وقامت الدولة الفاطمية الشيعية النحلة تضاءل عدد المستمسكين بالمذهب الحنفي حتى انقطع تمامًا في آخر عهد المعز لدين الله قبل انتقاله إلى ملك مصر سنة ٣٦١ هـ. ولم يبق بإفريقية من أهل السنة غير المالكيين، أو بعض المقلدين لمذهب الإمام الشافعي.
وقد وفقني الله تعالى إلى جمع شطر جليل من تراجم علماء الحنفية الأفارقة، فخصصتهم ببحث مستقل عَرَّفْتُ فيه بهم، وجلوت سيرتهم ومآثرهم، وسينشر فيما بعد إن شاء الله.