إذن فقد كان مقصود هذا البحث هو الإسهام في حلّ معضلة الغلو الديني وتفكيك بنيته، بعد أن تسبب في كثير من أزمات الأمة، وكان من أسباب جمودها وتخلفها وتأخرها عن الالتحاق بركب الازدهار والنمو والتفوق.
وتفكيك هذا الفكر كما قدمت له أدوات مختلفة، من هذه الأدوات مواجهته بالفكر الوسطي المعتدل لدى كبار علماء الأمة وأعلامها، ممن يحظون باحترام وثقة وتقدير بين المسلمين.
وقد وقع اختيار البحث على أحد هؤلاء الأئمة الأعلام، وهو الإمام الحافظ الجليل والناقد المؤرخ الكبير شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، أحد أئمة الحديث النبوي وأساطينه وحامل رايته وناشر علومه بشهادة كبار علماء الأمة ممن عاصروه أو جاءوا بعده.
[ ٩٣ ]
وقد أبرز البحث الكثير من أفكار القصد والاعتدال التي دعا إليها الذهبي ووثقها من كتبه.
وأبرز أيضًا أن الذهبي وبالرغم من قصده واعتداله إلا أنه لم يكن رجلًا متساهلًا في دينه ولا متهاونًا في عقيدته، بل لقد كان عالمًا سُنيًّا ربانيًا، يجري على قانون السّلف الصالح في التمسك بالكتاب والسنّة والذبّ عنهما والدعوة إليهما، معظمًا للحديث وأهله، وكان يقول: «لولا الحُفَّاظ الكبار، لخطبت الزنادقة على المنابر» (^١).
وكان يقول أيضًا: «إذا رأيت المتكلم يقول: دعنا من الكتاب والسنّة، وهات ما دلّ عليه العقل، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت العارف يقول: دعنا من الكتاب والسنّة والعقل، وهات الذوقَ والوجد، فاعلم أنه شرٌّ من إبليس، وأنه ذو اتحاد وتلبيس» (^٢).
نعم لقد أبرز البحث أن الذهبي كان حازمًا وصارمًا تجاه الانحرافات الواضحة والبدع الجليّة المصادمة للكتاب والسنّة، ينقد أصحابها ويرد عليهم ويكشف عن مساوئهم، من صوفية غالية، وباطنية بغيضة، ومعطلة ومجسمة وخوارج وفلاسفة وقرامطة ومشعوذين متلاعبين باسم الدين
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١١/ ٨٢.
(٢) تاريخ الإسلام ٣/ ١٩٥.
[ ٩٤ ]
لكنه في الوقت نفسه لم يكن يرى الإسراف في المواقف ولا الشطط في النقد، بل كان يحب المهل والريث، وكان يحب للأمور أن توزن بميزان القسط والعدل الذي أمر الله به في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]، دون إفراط أو تفريط، أو وكس أو شطط.
وقد لاحظ البحث أيضًا أن معظم المآخذ التي كان يوجهها الحافظ الذهبي لبعض علماء زمانه منذ ثمانمائة عام تقريبًا لا تزال باقية حتى اليوم كما هي لم تتغير أو تتحسن كثيرًا، الأمر الذي ينذر بخطر، ويدل على أن عجلة الإصلاح الديني عندنا لا تزال تسير في بطء شديد وتعثّر، إن لم تكن متوقفة، برغم حاجة الأمة للإصلاح، وبرغم كثرة الزلازل العنيفة التي أصابتها وهزت كيانها من الداخل والخارج.
فنسأل الله ﷿ معونته وتوفيقه وسداده، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
[ ٩٥ ]