ولعله من المفيد قبل أن نبحر مع الإمام الذهبي وأفكاره أن نعرّف به أولًا ولو بشكل مختصر جدًا، ونوضّح شيئًا من مكانته العلمية الرفيعة.
وإن شئتم الحق فالتعريف بالذهبي يطول جدًا، والكلام عن علمه وفضله قد يكون له بداية وليس له نهاية. وباختصار أقول: الذهبي هو:
١ ــ الإمام الحافظ الناقد المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي الدمشقي الشافعي.
٢ ــ كان مولده في مدينة دمشق سنة: ٦٧٣ هـ، وعلى ترابها نشأ وترعرع وطلب العلم.
٣ ــ طوَّف الإمام الذهبي في مختلف البلدان والأقطار، والتقى بأكثر شيوخ العالم الإسلامي في وقته وأخذ عنهم، وقد عرّف
_________________
(١) ترجم للذهبي كل من عاصره أو جاء بعده من أصحاب التراجم والسير، وقد أفرد ترجمته في كتب مستقلة غير واحد من الباحثين المعاصرين، ولعل من أجمعها، كتاب: الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام، للدكتور بشار عواد معروف، وكتاب: الحافظ الذهبي مؤرخ الإسلام، لعبد الستار الشيخ.
[ ١٥ ]
بشيوخه هؤلاء في مؤلف ضخم مطبوع في مجلدين كبيرين، سماه: "معجم الشيوخ"، وله كتاب آخر اقتصر فيه على شيوخه في الحديث، سماه: "المعجم المختص بالمحدثين".
٤
_________________
(١) بَرَع الإمام الذهبي في العديد من العلوم، وتقلّد مناصب علمية رفيعة، وانصبّ اهتمامه الأكبر على فنون الحديث والتاريخ ونقد الرواة، وحول هذه الموضوعات الثلاثة أخرج أروع كتبه ومؤلفاته. ٥ تجاوزت مؤلفات الذهبي الثلاثمائة مؤلف، ما بين مطول ومختصر ومتوسط الحجم، ومن أشهر مؤلفاته: مدونته الكبرى: "تاريخ الإسلام"، والتي تجاوزت الخمسين مجلدًا، وكتابه "سير أعلام النبلاء"، الذي طبع في خمس وعشرين مجلدًا ضخمًا، و"تذكرة الحفاظ"، و"ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وغيرها من المؤلفات.
(٢) تبوأ الذهبي منزلة رفيعة في علم الحديث والتاريخ، ويكفي أن الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، صاحب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، وهو من هو في العلم والحفظ والمعرفة، ذكر
[ ١٦ ]
أنه شرب من ماء زمزم سائلًا الله ﷿ أن ينال مرتبة الذهبي وبراعته في الرسوخ في العلم (^١).
٧ ــ وقد أثنى على الذهبي وأشاد بعلمه وفضله كلُّ من عاصره أو جاء بعده من أهل العلم والمؤرخين، كعَلَم الدين البرزالي (٧٣٩ هـ)،، وصلاح الدين الصَّفدي (٧٦٤ هـ)، والحُسيني (٧٦٥ هـ)، وابن السبكي (٧٧١ هـ)، وابن كثير (٧٧٤ هـ)، وابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، وبدر الدين العيني (٨٥٥ هـ)، والسخاوي (٩٠٢ هـ) وجلال الدين السيوطي (٩١١ هـ)، والعلامة الشوكاني (١٢٥٠ هـ)، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، ولا أرى حاجة لنقل كلامهم طلبًا للاختصار والإيجاز (^٢).
٨ ـــ ومع أن الذهبي عاش في عصر كثر فيه الجمود الفكري والتعصب المذهبي إلا أنه استطاع التخلص من كثير من ذلك بفضل سعة علمه وفطنته وبعد نظره وإنصافه.
_________________
(١) نقل ذلك غير واحد، منهم: السيوطي في كتابه: طبقات الحفاظ، ص ٥٥٢، والكتاني في: فهرس الفهارس والأثبات ١/ ٣٢٢.
(٢) انظر بعض هذا الثناء في التقدمة التي كتبها العلامة بشار عواد لكتاب: تاريخ الإسلام ١/ ٦٥، وسير أعلام النبلاء ١/ ٦٩ كلاهما للذهبي.
[ ١٧ ]
وقد أشار إلى هذه الخصلة الحميدة فيه تلميذُه المؤرخ الناقد صلاح الدين الصَّفدي (ت ٧٦٤ هـ) عندما قال عنه: "لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (^١) النقلة، بل هو فقيه النظر، له دُربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات" (^٢).
_________________
(١) الكودنة: البطء والثقل كما في المعجم الوسيط، ٢/ ٧٨٠ مادة " كدن".
(٢) الوافي بالوفيات للصفدي، ٢/ ١٦٣. وينظر أيضًا شعيب الأرنؤوط وآخرين، مقدمة سير أعلام النبلاء، ١/ ٥٣.
[ ١٨ ]