لعل من أبرز السمات التي لا تخطئها العين في منهج الإمام الذهبي وفي مسيرته العلمية إنصافه الشديد لكل من ترجم له أو كتب عنه من الأعلام والمشاهير حتى وإن كانوا يختلفون معه في المذهب أو المعتقد.
إن كل من يطالع تراجم الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء أو تاريخ الإسلام أو تذكرة الحفاظ أو ميزان الاعتدال أو غيرها تجده لا يفرق في النقد بين علماء المذاهب وأرباب الطوائف وبيان ما لهم وما عليهم، سواء كانوا ممن يتفقون معه أو يختلفون.
فالذهبي ينقل عادة آراء الموافقين والمخالفين في العَلَمِ المترجَم، حتى يقدم صورة متكاملة عنه من كل جانب.
بينما نجد كثيرًا من الكتاب والمؤرخين قديمًا وحديثًا يتأثرون بمذاهبهم ومشاربهم واختلاف توجهاتهم وأمزجتهم عند الحديث عن غيرهم، فيقتصرون إما على التبجيل والمدح
[ ٢٣ ]
أو على الذم والقدح، بحسب قرب المترجَم أو بعده عن مذاهبهم ومعتقداتهم وقناعاتهم الشخصية.
وشواهد الإنصاف كثيرة في كتب الذهبي، اكتفي منها بثلاثة طلبًا للاختصار.
الشاهد الأول: موقفه من الإمام أبي حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، صاحب كتاب إحياء علوم الدين، وأحد أبرز منظري الصوفية وزعماء الأشاعرة.
لقد انتقد الإمام الذهبي أبا حامد الغزالي كثيرًا وأبدى جملة من الملحوظات عليه، خاصة في باب التصوف واستدلاله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبه دون علم له بذلك، لكن ولأن الغزالي له جهود كبيرة في نشر علوم الشريعة، والتصدي لكثير من الفرق الضالة والمنحرفة كالباطنية والفلاسفة فقد أنصفه الذهبي وعرف له فضله وقدره وصدّر ترجمته بقوله في السير: «الشيخ الإمام البحر، حجّة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين الدين، أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الشافعي الغزالي صاحب التصانيف والذكاء المفرط» (^١).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٢٣.
[ ٢٤ ]
وقال منصفًا كتابه الإحياء: «وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثيرٌ، لو لا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علمًا نافعًا» (^١).
وقال أيضًا مدافعًا عن الغزالي: «الغَزالي إمامٌ كبير، وما من شَرط العالِم أنهُ لا يخطئ» (^٢).
وقد ختم ترجمته بقوله: «فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندَّعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول» (^٣).
وقد عدَّه من العلماء المجددين في القرن الخامس (^٤).
وما من شك أن موقف الذهبي هذا يعد غاية في الوسطية والاعتدال حيث لم يمنعه نقده للإمام الغزالي في بعض المسائل الشرعية من إنصافه والإقرار بعلمه وفضله، مع تصريحه بأن العالم في المنظور الإسلامي ليس من شرطه أنه لا يخطئ البتة، فليس في الإسلام كهنة ولا أئمة معصومون، وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٣٩.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٣٩.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٤٦.
(٤) تاريخ الإسلام ٢٣/ ١٧٩.
[ ٢٥ ]
صاحب هذا القبر -ﷺ- كما يقول الإمام مالك بن أنس (^١).
الشاهد الثاني: موقف الحافظ الذهبي من الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ)، صحاب كتاب المحلى وغيره.
فقد أثنى الذهبي في كتبه على ابن حزم ﵀، ووصفه بالإمامة والحفظ والتدين والتبحر في علوم الدين، مع أنه انتقده في الوقت نفسه بقسوة في مسائل شرعية كثيرة في الأصول والفروع، خاصة في تأثره بعلوم المنطق والفلسفة في باب الاعتقاد، وظاهريته المفرطة في الفقه، ولهجته الحادة في نقد الأئمة.
وقد ترجم الذهبي له في ثمان وعشرين صفحة من القطع الكبير من كتابه سير أعلام النبلاء وختم ترجمته بقوله: (ولي أنا ميل إلى أبي محمد ـــ يعني ابن حزم ـــ لمحبته في الحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أُكفره ولا أُضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسَعَة علومه) (^٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ١٤/ ١٦٩.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٤.
[ ٢٦ ]
وفي تصوري أن هذا الموقف من الإمام الذهبي يعد غاية الغايات في باب التسامح والاعتدال والوسطية، والنظر إلى المخالِف بعين الإنصاف، والدعوة إلى عدم التهور في تكفير المسلم ورميه بالضلال لأجل زلّة أو اجتهاد خاطئ في مسألة.
الشاهد الثالث: موقفه من كتاب "الشِّفا في التعريف بحقوق المصطفى" للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي، (ت: ٥٤٣ هـ)، ففي ترجمته من السير قال: «تواليفه نفيسة، وأجلها وأشرفها كتاب الشِّفا، لو لا ما حشاه بالأحاديث المُفتعلة، عملُ إمام لا نقد له في فنّ الحديث ولا ذوق، والله يثيبه على حسن قصده، وينفع بشفائه وقد فعل» (^١).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢١٦.
[ ٢٧ ]