لقد كان الحافظ الذهبي يكره كثرة الخوض والجدال في مضائق مسائل الاعتقاد وتفصيلاتها الدقيقة التي شاع البحث فيها في تلك الأزمنة، وشغلت وقتًا غير قصير من جهود العلماء وتفكيرهم، وكان يرى أن السكوت عن هذه المسائل أولى وأسلم، خاصة وأنها قد تسببت في كثيرٍ من الخصام والقلاقل والفتن بين علماء الأمة.
ولنذكر بعض الشواهد الدالة على ذلك من كلام الذهبي:
الشاهد الأول: مسألة هل الإيمان مخلوق؟
قال الذهبي: «وأما مسألة خلق الإيمان وعدمه، ففيها بحث ليس هذا موضعه، والسكوت أولى وأسلم» (^١).
الشاهد الثاني: مسألة رؤية النبي -ﷺ- لربه ليلة المعراج.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٠٠.
[ ٦٥ ]
فقد ذكر الذهبي خلاف العلماء في المسألة، ثم رجّح التوقف فيها، وقال: «فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعبٌ، والوقوف سبيل السلامة، والله أعلم، وإذا ثبت شيء قلنا به، ولا نعنّف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول: الله ورسولُه أعلم، بلى نعنّف ونبدِّع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوفرة» (^١).
الشاهد الثالث: مسألة إثبات الحدّ لله ﷿.
فعندما ذكر الذهبي اختلاف العلماء في مسألة إثبات الحدّ لله ﷿، قال: «الخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نصٌّ بإثبات ذلك ولا بنفيه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وتعالى الله أن يُحدّ أو يُوصف إلا بما وصف به نفسه أو علّمه رسله بالمعنى الذي أراد بلا مثل ولا كيف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ١١٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٧. والمعروف عند أهل السنة: أن "الحدّ" لفظ حادث، لم يرد في الكتاب أو السنة، وليس لنا أن نصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله، لا نفيًا ولا إثباتًا، هذا بالنسبة للفظ، أما بالنسبة للمعنى، فالواجب أن نستفصل عن المقصود بإثبات الحد لله؟ فإن كان المقصود أن الله ﷿ متميز عن خلقه، منفصل عنهم، مباين لهم، غير حالّ فيهم، فهذا حق، وهو ثابت لله بهذا المعنى، وأما إن كان المقصود: أن العرش محيط بالله ﷿، ويراد بنفي الحدّ نفي استواء الله على عرشه، فهذا باطل. ينظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ١٩٠.
[ ٦٦ ]
ــــــ كرر هذا في موضع آخر فقال: «لم يأت نص بإثبات الحدّ ولا بنفيه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (^١).
ــــــ وكرره كذلك في موضع ثالث، فقال: «الصواب الكفّ عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نصٌّ، ولو فرضنا أن المعنى صحيح، فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله، خوفًا أن يدخل القلب شيء من البدعة، اللهم احفظ علينا إيماننا» (^٢).
ــــــ وفي موضع رابع قال وهو يعلق على إنكار بعض العلماء على الإمام ابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ) إنكاره للحد، فقال الذهبي: «إنكاره الحدّ وإثباتكم للحدّ نوع من فضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أولى، إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته، والله تعالى ليس كمثله شيء … فمن نزَّه الله وسكت سلِم وتابع السلف» (^٣).
الشاهد الرابع: مسألة اللفظ بالقرآن.
وهذه المسألة طال نزاع العلماء حولها، هل يصحّ أن يقال
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٨٤.
(٣) ميزان الاعتدال ٣/ ٥٠٧
[ ٦٧ ]
لفظي بالقرآن مخلوق، أو لا يصح، ومع أن الذهبي شرح المسألة مرارًا وأوضح وجه الصواب فيها من وجهة نظره (^١)، إلا أن كان يرى أن الكفّ وترك الخوض في هذا الفصل أولى وأنه من حسن الإيمان لما يحويه من اللبس والإيهام، وكان يقرر أن الأمر المقطوع به أن القرآن كلام الله المنزّل غير مخلوق، وهذا يكفي (^٢).
وكان يقول: «في هذه المسألة بحوث طويلةٌ، الكفّ عنها أولى، ولا سيما في هذه الأزمنة المزمنة» (^٣).
الشاهد الخامس: عندما ترجم لصديقه ورفيقه في الطلب أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (ت: ٧٤٢ هـ) صاحب كتاب تهذيب الكمال وغيره، قال: «وكان - المزيّ - يقرر طريقة السلف في السنّة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية، وجرى بيننا مجادلات ومعارضات في ذلك تركُها أسلم وأولى» (^٤).
_________________
(١) ينظر تاريخ الإسلام ٥/ ١٠٢٧، سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٣٢، ١٢/ ١٧٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٩٠، ٥١٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٠١.
(٤) تذكرة الحافظ ٤/ ١٤٩٩.
[ ٦٨ ]
ما يكفى المؤمن اعتقاده في رأي الذهبي:
وقد لخّص الإمام الذهبي ما يجب على المسلم اعتقاده من مسائل الإيمان، فقال: «يكفي المسلمَ في الإيمان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، وأن الله ليس كمثله شيء أصلًا، وأن ما ورد من صفاته المقدسة حق، يمر كما جاء، وأن القرآن كلام الله وتنزيله، وأنه غير مخلوق، إلى أمثال ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولا عبرة بمن شذّ منهم، فإن اختلفتِ الأمة في شيء من مشكل أصول دينهم، لزمنا فيه الصمت، وفوضناه إلى الله، وقلنا الله ورسوله أعلم، ووسعنا في السكوت» (^١).
• • •
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٤٦.
[ ٦٩ ]