كان الذهبي ﵀ كثيرًا ما ينهى عن الغلو في العبادة، لمخالفة ذلك للسنّة أولًا، ولأنه غالبًا ما يفضي إلى تضييع عبادات أخرى لا تقلّ أهمية عنها.
ــــــ وعلى سبيل المثال: عندما نقل بعضُ الرواة عن الإمام الحافظ وكيع ابن الجراح (ت: ١٩٦ هـ) أنه كان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة!!
أنكر ذلك الذهبي وقال: «قد صحّ نهيُه ﵇ عن صوم الدَّهر، وصحّ أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث، والدِّين يسرٌ، ومتابعة السنّة أولى» (^١).
ــــــ وعندما ذكر الذهبي حديث النهي عن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث ليالٍ، علَّق قائلًا: «أقلُّ مراتب النَّهي أن تكره تلاوة القرآن كلِّه في أقلَّ من ثلاثٍ، فما فقُه ولا تدبَّر من تلا في أقلَّ من ذلك.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤٣.
[ ٨٣ ]
ولو تلا ورتَّل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسرٌ، فوالله إنَّ ترتيل سُبع القرآن في تهجُّد قيام اللَّيل مع المحافظة على النوافل الرَّاتبة، والضُّحى، وتحيَّة المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المَكتوبة والسَّحر، مع النَّظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدُّعاء والاسْتغفار، والصَّدقة وصلة الرَّحم، والتَّواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغلٌ عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتَّقين، فإن سائر ذلك مطلوب.
فمتى تشاغل العابد بختمة في كلِّ يوم، فقد خالف الحنيفيَّة السَّمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبَّر ما يتلوه إلى أن قال: وكلُّ من لم يزمَّ نفسه في تعبُّده وأوراده بالسنَّة النبويَّة، يندم ويترهَّب ويسوء مزاجه، ويفوته خيرٌ كثيرٌ من متابعة سنَّة نبيِّه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال -ﷺ- معلمًا للأمَّة أفضل الأعمال، وآمرًا بهجر التَّبتل والرهبانيَّة التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصَّوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر اللَّيل إلاّ في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك
[ ٨٤ ]
من الأوامر والنَّواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجورٌ، والعابد العالم بالآثار المحمديَّة، المتجاوز لها مفضولٌ مغرورٌ، وأحبُّ الأعمال إلى الله -تعالى - أدومها وإن قلَّ» (^١).
ــــــ وقد تحدّث الذهبي في غير ما موضع عن خطر وخطل ما يفعله بعض العبّاد من المبالغة في إيذاء أنفسهم بالجوع والسهر وحرمانها من تناول الأطعمة الطيبة بحجة الزهادة، وأوضح أن ذلك كثيرًا ما يفضي إلى اختلال العقل وفتح باب الشك والوسوسة واضطراب الحواس.
يقول ﵀: «من بالغ في الجوع - كما يفعله الرُّهبان - ورفض سائر الدُّنيا ومألوفات النَّفس من الغذاء والنَّوم والأهْل، فقد عرَّض نفسه لبلاءٍ عريض، وربما خُولط في عقله، وفاته بذلك كثيرٌ من الحنيفية السَّمحة، وقد جعل الله لكلِّ شيء قدرًا.
والسَّعادة في متابعة السُّنن، فزن الأمور بالعدل، وصم وأفطر، ونَم وقم، وألزم الورع في القوت، وارض بما قسم الله لك، واصمت إلا من خير» (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٣/ ٨٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٧٠. وينظر أيضًا المصدر نفسه ١٢/ ٨٩، ١٤/ ٢٥٦.
[ ٨٥ ]