من إنصاف الذهبي ﵀ واعتدال فكره أن كان كثيرًا ما يفرّق في الحكم بين الغلاة وغيرهم من شتى أرباب الطوائف والمذاهب، وهذا له صور وشواهد كثيرة منها:
تفرقته بين غلاة الصوفية ومعتدليهم.
فالذهبي ﵀ كان لا يضع الصوفية كلهم في سلّة واحدة، بل كان يفرّق بين من تمسكوا منهم بالكتاب والسنّة، والتزموا بأحكام الشريعة (^١)، وبين المخلّطين منهم، من أصحاب الشعوذة والترهات والشطحات والخرافات. فهو يشيد بالطائفة الأولى ويذب عنها، بينما يشتد بنقده وتقريعه على الطائفة الثانية ويحط عليها.
والشواهد كثيرة من كلام الذهبي في ذلك، اكتفى هنا بما قاله في ترجمة الإمام المحدِّث أبي سعيد بن الأعرابي،
_________________
(١) إذا كان الأمر كذلك فالأولى أن يسمى زهدًا بدلًا من كلمة التصوف التي أحدثت حولها جدلًا كبيرًا.
[ ٥٣ ]
واسمه أحمد بن محمد البصري، نزيل مكة، (ت: ٣٤٠ هـ).
قال الذهبي منتقدًا بعض مصطلحات الصوفية الغامضة التي لا طائل منها: «إي والله، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أَسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصَّحو والسّكر إلا مجرد خطرات ووساوس، ما تفوّه بعباراتهم صدِّيق، ولا صاحب، ولا إمام من التَّابعين.
فإن طالبتهم بدعاويهم مقتوك، وقالوا: محجوب، وإن سلَّمت لهم قيادك تخبَّط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقتَ العُباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البُعد، وقلتَ: مساكين محجوبون. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فإنما التصوُّف والتأَله والسُّلوك والسَّير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد - ﷺ - من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشَّريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزُّز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والعالم إذا عَرِي من التَّصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إِذا
[ ٥٤ ]
عري من علم السنّة، زل عن سواء السبيل» (^١).
موقفه من غلاة الصوفية:
وأما غلاة المتصوفة ومنحرفيهم وأهل الشطحات والترهات منهم، فإليك ما قاله الذهبي عن بعض رؤوسهم الكبار:
١ - الحسين بن منصور الحلاج (ت: ٣٠٩ هـ).
قال الذهبي: «كانت له بداية جيدة وتأله وتصوف، ثم انسلخ من الدين، وتعلم السحر، وأراهم المخاريق …» (^٢).
٢ ـــــــ شهاب الدين السهروردي (ت: ٥٨٧ هـ).
قال الذهبي: «سائر كتبه فلسفة وإلحاد. نسأل اللَّه السّلامة فِي الدّين» (^٣).
٣ ـــــــ عمر بن علي ابن الفارض (ت: ٦٣٢ هـ).
قال الذهبي: «شاعر الوقت، شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، ثم المصري، صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية … فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٣٥.
(٢) ميزان الاعتدال ١/ ٥٤٨.
(٣) تاريخ الإسلام ٤١/ ٢٨٦، العبر في خبر من غبر ٣/ ٩٦.
[ ٥٥ ]
في العالم زندقة ولا ضلال، اللَّهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى، فيا أئمة الدِّين ألا تغضبون لله؟! فلا حول ولا قوّة إلا بالله» (^١).
٤ ـــــــ عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني (ت: ٦٩٠ هـ).
قال الذهبي: «أحد زنادقة الصوفية» (^٢).
٥ ـــ محي الدين ابن عربي (ت: ٦٣٨).
قال الذهبي: «فو الله لإن يعيش المسلم جاهلًا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئًا سوى سور من القرآن يصلى بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر - خيرٌ له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة» (^٣).
ــــــ وقد وصف الذهبي كلام ابن عربي وابن الفارض وأمثالهما بالعَسل الذي أذيب فيه السُّم، يستلذه الشخص، فيسرى في بدنه وهو لا يشعر حتى يهلكه (^٤).
ــــــ ووصف بعض كلامهم بأنه شرٌّ من الشرك (^٥)، وأنه محض الكفر والزندقة (^٦).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٦٨.
(٢) العبر في خبر من غبر ٣/ ٣٧٣.
(٣) ميزان الاعتدال ٣/ ٦٦٠.
(٤) تاريخ الإسلام ٥٠/ ١٩٩.
(٥) تاريخ الإسلام ٤٩/ ٢٨٤.
(٦) تاريخ الإسلام ٤٧/ ٢٧٩.
[ ٥٦ ]
ــــــ وكان لا يرى حاجة إلى فتح باب الاعتذار عن مقالاتهم الصريحة في مخالفة قواطع الإسلام، وكان يقول: «إن فتحنا باب الاعتذار عن المقالات، وسلكنا طريقة التّأويلات المستحيلات لم يبق في العالم كُفر ولا ضلال، وبَطَلَت كتب المِلَل والنِّحَل واختلاف الفِرَق» (^١).
تفرقته بين غلاة المرجئة ومرجئة الفقهاء.
كذلك كان الذهبي يفرق بين مرجئة الفقهاء الذين كانوا لا يرون دخول العمل في مسمى الإيمان، وإن كانوا يرون وجوب العمل وفرضيته، فهو يرى أن هذه مقولة خفيفة لا تستدعي تبديع صاحبها أو رميه بالضلالة، لكن الضلال كل الضلال في مذهب غلاة المرجئة الذين كانوا يقولون بأن المعاصي لا تضرّ المرء شيئًا ما دام مقرًا بالتوحيد!!
ــــــ يقول ﵀: «الإرجاء مذهب لعدّة من جلّة العلماء، لا ينبغي التحامل على قائله» (^٢). يقصد إرجاء الفقهاء الذي أوضحنا معناه قبل قليل.
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٤٩/ ٢٨٦.
(٢) ميزان الاعتدال ٤/ ٩٩.
[ ٥٧ ]
ــــــ ويفصّل القول في المسألة في ترجمة فقيه العراق حمَّاد بن أبي سليمان الكوفي، (ت: ١٢٠ هـ)، فيقول: «قال معمَرٌ: قلت لحمَّاد: كنت رأسًا، وكنت إمامًا في أصحابك، فخالفتهم، فصرت تابعًا! قال: إِني أن أكون تابعًا في الحقِّ، خيْر من أن أكون رأسًا في الباطل.
قلتُ (^١): يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرارٌ باللِّسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي - إن شاء الله - وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التَّوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية» (^٢).
ــــــ وفي ترجمة الحافظ عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد (ت: ٢٠٦ هـ)، قال: «كان على الإرجاء عددٌ كثير من علماء الأمة، فهلا عُدَّ مذهبًا، وهو قولهم: أنا مؤمنٌ حقًا عند الله الساعة، مع اعترافهم بأنَّهم لا يدرون بما يموت عليه المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قولة خفيفة، وإنما الصَّعب قول غلاة المرجئة: إن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وإن تارك الصلاة والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل الأنفس، والزاني، وجميع هؤلاء، يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار، ولا يعذبون أبدًا. فردوا أحاديث الشَّفاعة المتواترة، وجسَّروا كل
_________________
(١) القائل الذهبي.
(٢) سير أعلام النبلاء: ٥/ ٢٣٣.
[ ٥٨ ]
فاسق وقاطع طريق على المُوبقات، نعوذ بالله من الخذلان» (^١).
تفرقته بين غلاة القدرية وغيرهم.
كان الذهبي ﵀ كثيرًا ما يفرق بين غلاة القدرية الذين كانوا ينفون علم الله ﷿ بالحوادث قبل وقوعها، وبين القدرية الذين اقروا بالعلم لكنهم قالوا بأن الشرّ من خلق العباد.
ولا ريب أن كلا المقولتين بدعة في الدين في رأي الذهبي وغيره من علماء السلف، لكن السلف كانوا يشددون كثيرًا على غلاة القدرية، وكانوا يرون أن مقولتهم هذه مقولة كفرية.
وأما الفريق الثاني فمقولتهم بدعة أيضًا، لكنها أخفّ من الأولى، وقد تورط في القول بها بعض كبار الأئمة.
ــــــ يقول الذهبي ﵀: «قد لُطخ بالقدر جماعة، وحديثهم في «الصحيحين» أو أحدهما، لأنهم موصوفون بالصِّدق والأمانة» (^٢).
ــــــ ويقول في ترجمة الإمام الحافظ عبد الوارث بن سعيد العنبري، (ت: ١٨٠ هـ): «كان عالمًا مجوِّدًا من فصحاء
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٣٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢١.
[ ٥٩ ]
أهل زمانه، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدِع» (^١).
ــــــ وفي ترجمة الإمام الحافظ قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٧ هـ) يقول الذهبي: «كان يرى القَدَر - نسأل الله العفو. ومع هذا، فما توقَّف أحدٌ في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعلَّ الله يعذر أمثاله ممَّن تلبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يسأل عمَّا يفعل. ثمَّ إنَّ الكبير من أئمَّة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتِّباعه، يغفر له زلَله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التَّوبة من ذلك» (^٢).
نقده للغلاة من كل الطوائف:
وإن شئتم الحق فقد كان الحافظ الذهبي يمقتُ الغلو والغلاة من أي فئة كانوا، وكان يقول: «غلاة المعتزلة، وغلاة الشِّيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٠١، وينظر تاريخ الإسلام ٤/ ٦٨٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧١، وينظر أيضًا تدريب الراوي للسيوطي ١/ ٣٨٩ حيث ذكر جماعة كبيرة من الرواة الثقات والأئمة الذين قالوا بنفي القدر.
[ ٦٠ ]
المرجئة، وغلاة الجهمية، وغلاة الكرامية قد ماجت بهم الدنيا، وَكثروا، وفيهم أذكياء وعبّاد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التَّوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنّة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن» (^١).
تفرقته بين من كُفِّر ببدعة وبين الكافر الأصلي.
هذا من إنصاف الذهبي واعتداله أنه كان يفرّق بين من كفره بعض العلماء بسبب بدعة قال بها وبين الكافر الأصلي كاليهودي والنصراني، ولا يرى أنهما في المنزلة سواء.
وفي ذلك يقول: «من كُفِّر ببدعة وإن جلَّت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلّى وحجّ وزكي، وإن ارتكب العظائم وضلّ وابتدع، كمن عاند الرسول وعبد الوثن ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها» (^٢).
• • •
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٠٢.
[ ٦١ ]