مسألة الاجتهاد والتقليد وقع فيها خلط وخبط بين كثير من طلبة العلم، وانقسموا فيها بين طرفي نقيض.
فريق حرّم التقليد مطلقًا وأوجب الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة، وفتح باب الاجتهاد لكل من هب ودب من صغار طلبة العلم ونكراتهم، حتى قال بعضهم عن الأئمة: نحن رجال وهم رجال!!
وفي مقابل هؤلاء: فريق أوجب التقليد، وحرّم الاجتهاد مطلقًا، وسدّ أبوابه جميعًا، أو جعل له شروطًا تعجيزية لا تتوفر حتى في كبار الأئمة!!
أما الإمام الذهبي فله رأي وسطي في هذه المسألة، فهو يُسيغ النظر في النصوص والأدلة واستنباط الأحكام منها، لكنه يخصّ ذلك بمن تأهل وتبحر في علوم الشريعة، وبلغ رتبة الاجتهاد وامتلك أدواته بشهادة الأئمة له.
[ ٧٣ ]
ــــــ ففي ترجمة الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) ﵀، إمام دار الهجرة، نقل الذهبي عن بعض الشيوخ قوله: (إن الإمام لمن التزم تقليده، كالنبيّ مع أمّته، لا تحلّ مخالفته)!!
ثم تعقبه الذهبي فقال: «قوله " لا تحل مخالفته " مجرد دعوى، واجتهاد بلا معرفة، بل له مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجّته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له» (^١).
ــــــ وفي ترجمة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) -﵁-، ينعى الذهبي على المقلدين من العلماء، ويقول: «كلُّ إمام يؤخذ من قوله ويُترك إلا إمام المتقين الصادق المصدوق الأمين المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، فيا لله العجب من عالم يقلّد دينه إمامًا بعينه في كل ما قال، مع علمه بما يرِد على مذهب إمامه من النصوص النبوية فلا قوة إلا بالله» (^٢).
وكان يقول أيضًا: «ما يتقيّد بمذهب واحدٍ إلا من هو قاصر في التمكن من العِلم كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصِّب» (^٣).
ــــــ لكن الذهبي يضع للاجتهاد شروطًا ولا يفتح بابه للناس جميعًا، ففي ترجمة الإمام ابن حزم الأندلسي
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٩٠.
(٢) تذكرة الحافظ ١/ ١٨.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٩١.
[ ٧٤ ]
الظاهري، (ت: ٤٥٦ هـ)، نقل الذهبي عن ابن حزم قوله: «أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيّد بمذهب».
ثم تعقبه فقال: «نعم من بلغ رُتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدةٌ من الأئمة، لم يسُغ له أن يقلِّد، كما أن الفقيه المبتدئ والعامي الذي يحفظ القرآن أو كثيرًا منه، لا يسوغ له الاجتهاد أبدًا، فكيف يجتهد، وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ وكيف يطير ولمّا يريِّش؟ والقسم الثالث: الفقيه المنتهي اليقظ الفهِم المحدّث، الذي قد حفظ مختصرًا في الفروع، وكتابًا في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل، مع حفظه لكتاب الله، وتشاغل بتفسيره، وقوة مناظرته، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد، وتأهل للنظر في دلائل الأئمة، فمتى وضح له الحقّ في مسألة وثبت فيها النص وعمل بها أحد الأئمة الأعلام، كأبي حنيفة مثلًا أو كمالك أو الثوري أو الأوزاعي أو الشافعي وأبي عُبيد وأحمد وإسحاق، فليتبع فيها الحقّ، ولا يسلك الرُّخص، وليتورع ولا يسعه فيها بعد قيام الحجة عليه تقليدٌ» (^١)؟!
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٩١.
[ ٧٥ ]