ففي ترجمة الفيلسوف المتصوّف الحسين بن منصور الحلاج (ت: ٣٠٩ هـ) يقول الذهبي: «فما ينبغي لك يا فقيه أن تبدر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أَنْ تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمُون صالحًا محسنًا، فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرًا أو منافقًا أو مبطلا، فهو كذلك، وأن من كان طائفةٌ من الأمة تضلِّله، وطائفةٌ من الأمة تثني عليه وتبجِّله، وطائفةٌ ثالثةٌ تقف فيه وتتورَّع من الحطِّ عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوَّض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح، ويصفو قلبك من الغِّل للمؤمنين» (^١).
وكلام الذهبي هذا يمكن أن نخلص منه إلى قواعد مهمة، منها:
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٤٣.
[ ٣٥ ]
١ ــ عدم رمي المسلم بالكفر بغير برهان قطعي صريح.
٢ ــ عدم ادعاء الولاية لمن تأكد ضلاله وتبرهنت زندقته وانحرافه عن الشريعة ونصوصها البينة.
٣ ــ أن من عُرف عند جماهير الأمة بالخير والصلاح والاستقامة فهو صالح خيّر مستقيم إن شاء الله، لأن الأمة هم شهداء الله في أرضه.
٤ ـــ أن من عُرف بفجوره واشتهر بانحرافه، فهو كذلك بحسب الظاهر، وإن كنا لا نقطع له في باطن الأمر، لكن كما قال الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ): «نرجوا للمحسن ونخاف على المسيء» (^١).
٥ ــ أن من اختلف فيه علماء الأمة ما بين مادح وقادح، ومعدل ومجرّح، فهذا ممن ينبغي الحذر في الحكم عليه. والأسلم تفويض أمره إلى الله، والاستغفار له في الجملة، لأن أسلامه ثابتٌ بيقين، وكفره مشكوك فيه، وبهذا كما يقول الذهبي: يصفوا قلب المسلم من الغلّ للمسلمين.
_________________
(١) : ينظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ٢/ ٥٣٨.
[ ٣٦ ]