وشواهد هذا كثيرة في مؤلفات الذهبي، منها على سبيل المثال:
١
_________________
(١) ـ دفاعه عن الإمام الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن حِبّان البُستي (ت: ٣٥٤ هـ) صاحب كتاب الصحيح في اتهامه بالزندقة. فقد ذكر الذهبي أن بعض العلماء نقل عن ابن حبان أنه قال: «النبوة: العلم والعمل»!! ثم أنكروا عليه بسبب ذلك وحكموا بزندقته وكتبوا إلى الخليفة بقتله!! لكن الذهبي دافع عن ابن حبان وقال: «هذا له محملٌ حسنٌ، ولم يُرد حصر المبتدأ في الخبر، ومثله: الحج عرفة، فمعلوم أن الرجل لا يصير حاجًا بمجرد الوقوف بعرفة، وإنما ذكر مهمّ الحج ومهم النبوة، إذ أكمل صفات النبي العلم والعمل، ولا يكون نبيًا إلا أن يكون عالمًا عاملًا، نعم النبوة موهبة من الله تعالى لمن اصطفاه من
[ ٤٣ ]
أولى العلم والعمل، لا حيلة للبشر في اكتسابها أبدًا، وبها يتولد العلم النافع والعمل الصالح، ولا ريب أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفسٌ فلسفي» (^١).
٢ ــــ دفاعه عن الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، (ت: ٤٧٤ هـ)، شارح الموطأ وغيره.
فقد ذكر الذهبي أن بعض علماء بلده كان قد كفّره بسبب قوله: إن النبي -ﷺ- قد كتب اسمه بنفسه يوم صلح الحديبية كما جاء في صحيح البخاري (^٢)، قالوا: إن في هذا تكذيب للقرآن الكريم الذي أخبر عن نبيه بأنه نبي أميّ.
لكن الذهبي لم يقبل بتكفير هذا الفقيه الجليل، وأطال في الدفاع عنه قائلًا: «يجوز على النبي -ﷺ- أن يكتب اسمه ليس إلاّ، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًّا، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانًا للعلامة يُعد كاتبًا، فالحكم للغالب لا لما ندر، وقد قال ﵇: "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب" أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلًا، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، [الجمعة: ٢]، وقوله ﵇: «لا نحسب» حق،
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٢٢.
(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، ٥/ ١٤١، حديث ٤٢٥١.
[ ٤٤ ]
ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب وقسم الفيء وقسمة المواريث بالحساب العربي الفطري، لا بحساب القبط، ولا الجبر والمقابلة، بأبي هو ونفسي -ﷺ-، وقد كان سيّد الأذكياء، ويبعد في العادة أن الذكي يُملي الوحي وكتب الملوك وغير ذلك على كتّابه، ويرى اسمه الشريف بخاتمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول، ولا يخرج بذلك عن أميّته، وبعض العلماء عدّ ما كتبه يوم الحديبية من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتب، فإن قيل: لا يجوز عليه أن يكتب، فلو كتب لارتاب مبطلٌ، ولقال: كان يُحسن الخط، ونظر في كتب الأولين، قلنا: ما كتب خطًا كثيرًا، حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتب اسمي الذي في خاتمي، لارتاب المبطلون أيضًا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء فكيف لا يعرف ذلك، بل عرفه وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر، وأبلغ في إنكاره والله أعلم» (^١).
٣ ـــــ دفاعه عن المحدث الثقة حسين المعلّم، (ت: ١٥٠ هـ).
فقد نقل الذهبي عن بعض الأئمة تضعيف حسين المعلم بسبب أغلاط وقعت له في رواية بعض الأحاديث، وردّ الذهبي عليهم فقال: «الرجل ثقة، وقد احتج به صاحبا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٤٠، وينظر أيضًا تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٨١.
[ ٤٥ ]
الصحيحين … وليس من شرط الثقة أن لا يغلط أبدًا، فقد غلط شعبة ومالك، وناهيك بهما ثقة ونبلًا …» (^١).
٤ ــــ وكرر هذا المعنى في ترجمة الإمام الحافظ هشام بن عروة الأسدي، (ت: ١٤٦ هـ).
فقد ردّ على من ضعفه بسبب بعض الأخطاء، وقال: «أرني إمامًا من الكبار، سَلِمَ من الخطأ والوهم» (^٢).
٥ ـــــ ومثل ذلك فعل في دفاعه عن الحافظ الكبير عبد الرزاق بن همام الصنعاني، (٢١١ هـ).
فقد نقل الذهبي عن الحافظ العباس بن عبد العظيم قوله: «والله الذي لا إله إلا هو، إن عبد الرزاق كذّاب، والواقدي أصدق منه»!!
فردّ عليه الذهبي وقال: «والله ما برّ عباس في يمينه، ولبئس ما قال، يعمَد إلى شيخ الإسلام، ومحدّث الوقت، ومن احتج به كلُّ أرباب الصحاح، وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه، فيرميه بالكذب، ويقدِّم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفَّاظ على تركه، فهو في مقالته هذه خارقٌ للإجماع بيقين» (^٣).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٦.
(٣) سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٧١.
[ ٤٦ ]