يقول ﵀: «ينبغي للمُحدّث ألا يُشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية، وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم» (^١).
ــــــ وقد أوضح الذهبي هذه القضية في موضع آخر فقال تتميمًا للكلام السابق: «وقد قال علي -﵁-: حدِّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون (^٢). وقد صحّ أن أبا هريرة كتم حديثًا كثيرًا مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان يقول: "لو بثثته فيكم
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٧٨.
(٢) أخرجه عنه البخاري في صحيحه، ١/ ١٩٩، كتاب العلم: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية إلا يفهموا، من طريق أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب.
[ ٨١ ]
لقطع هذا البلعوم" (^١). وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء.
والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره: علم الأوائل وإلهيات الفلاسفة وبعض رياضتهم بل أكثره، وعِلم السحر، والسيمياء، والكيمياء، والشعبذة، والحيل، ونشر الأحاديث الموضوعة، وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة البَطَّال المختلقة، وأمثال ذلك، ورسائل إخوان الصفا، وشعر يعرَّض فيه إلى الجناب النبوي، والعلوم الباطلة كثيرة جدًا فلتحذر، ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء فليقلل من ذلك، وليطالعه وحده، وليستغفر الله تعالى، وليلتجئ إلى التوحيد، والدعاء بالعافية في الدين، وكذلك أحاديث كثيرة مكذوبة وردت في الصفات لا يحل بثها إلا التحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامهما فحسب. اللهم فاحفظ علينا إيماننا، ولا قوة إلا بالله» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ١/ ١٩١، ١٩٢، كتاب العلم: باب حفظ العلم، من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم».
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٠٤.
[ ٨٢ ]