ويبدو أن هذه المسألة كانت تشغل ذهن الذهبي وتفكيره كثيرًا، ربما لكثرة ما كان يرى من النزاع الذي كان يقع بين أصحاب المذاهب المختلفة والذي كان يصل إلى حد التهاجر والفجور في الخصومة وهضم حق الآخرين، فكرر الدعوة في مؤلفاته إلى ضرورة التحلي بالإنصاف والاعتدال مع العلماء، وعدم الحطّ عليهم لأجل بعض الهفوات أو الهنّات، وأن العبرة بكثرة المحاسن.
وأنا أنقل إليكم بعض ما قاله الذهبي في ذلك:
أولًا: قوله: «لو أننا أهدرنا كل عالم زلّ، لما سلم معنا إلا القليل، فلا تحطّ يا أخي على العلماء مطلقًا، ولا تبالغ في تقريظهم مطلقًا، واسأل الله أن يتوفاك على التوحيد» (^١).
ثانيًا: قوله: «لو أننا كلما أخطأ إمامٌ مجتهد في مسألة خطأ مغفورًا له هجرناه وبدَّعناه، لما سلم أحدٌ من الأئمة، والله الهادي للحق،
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٣٠/ ٢٥٦.
[ ٣٩ ]
والراحم للخلق» (^١).
ثالثًا: قوله: «لو أنا كلما أخطأَ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدّعناه، وهجرناه، لما سَلِم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة» (^٢).
رابعًا: قوله في ترجمة الحافظ محمد بن إسحاق بن خُزيمة، (ت: ٣١٧ هـ)،: «ولو أن كلَّ من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدَّعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه» (^٣).
خامسًا: قوله في ترجمة الحافظ وكيع بن الجراح الكوفي (ت: ١٩٧ هـ)،: «كان ملازمًا لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه، فكان متأولًا في شربه، ولو تركه تورعًا، لكان أولى به، فإن من توقى الشُّبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقد صح النَّهي والتَّحريم للنَّبيذ المذكور، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، فلا قدوة في خطأ العالم، نعم، ولا يوبخ بما فعله باجتهاد نسأَل الله المسامحة» (^٤).
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٢٢/ ٢٩٩.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٧٦.
(٤) سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤٣.
[ ٤٠ ]
سادسًا: قوله في السِّير: «نحبّ العالِم على ما فيه من الاتباع والصِّفات الحميدة، ولا نحبّ ما ابتدع فيه بتأوِيل سائغ، وإنَّما العبرة بكثرة المحاسن» (^١)
سابعًا: قوله في ترجمة أبي بكر الشاشي الشافعي، (ت: ٤١٧ هـ): «الكمال عزيز، وإنما يُمدح العالِم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطه، ولعله رجع عنها، وقد يُغفر له باستفراغه الوسع في طلب الحق، ولا قوة إلا بالله) (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٨٥.
[ ٤١ ]