وقد أفرد الذهبي لذلك رسالة صغيرة ماتعة عنوانها: "بيان زَغَل العلم"، وبعض المصادر تسميها: "رسالة فيما يُذم ويُعاب في كل طائفة".
وفي هذه الرسالة فصّل الذهبي القول في كثيرٍ من علل طلبة العلم وأدوائهم، خاصة الشرعيين منهم على اختلاف تخصصاتهم، بحكم أنه واحدٌ منهم، عالمٌ بأحوالهم.
ــــــ فهو يأخذ على كثيرٍ من القرّاء إفراطهم في مراعاة قواعد التجويد والتلاوة إلى حد التنطع والمبالغة، كتفخيم الحروف وترقيقها، وتتبع غرائب القراءات الشاذة والتطريب الزائد، ولو كان ذلك على حساب التدبر والخشوع وحضور القلب وإهمال العمل الذي هو لبّ القراءة وثمرتها (^١).
_________________
(١) - بيان زغل العلم ص ١٠٢.
[ ٧٧ ]
ــــــ وأما الفقهاء فيأخذ الذهبي على كثيرٍ منهم: إهمالهم العناية بالسنّة النبوية، وعدم معرفتهم صحيحها من سقيمها.
كما أخذ على بعضهم تعصّبهم لمذاهبهم، وإن خالفت صريح النصوص، ومعارضة بعضهم النصّ الصحيح بالرأي الفاسد والقياس البعيد.
فضلًا عن انشغال الكثيرين منهم بالجدال والمناظرة وترتيب الأدلة ومداهنة الأمراء وطلب الرئاسة والتكبر بالعِلم، في الوقت الذي يُعرِضون فيه عن ذكر الله وتلاوة القرآن وإخلاص النيَّة وأداء السُّنن وما يرقّق القلوب ويذكر بالآخرة (^١).
ــــــ وأما أهل الحديث فغالبهم عند الذهبي: (لا يفهمون، ولا هِمَّة لهم في معرفة معاني الحديث، ولا في التدين به إنما همَّتهم في السَّماع على الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواة، لا يتأدبون بآداب الحديث، ولا يستفيقون من سَكْرة السَّماع ) (^٢).
والذهبي لا يقصد بأهل الحديث هنا أئمته الكبار، وإنما يقصد
_________________
(١) - بيان زغل العلم ص ١١٥.
(٢) - بيان زغل ص ١٠٥، وينظر أيضًا تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٥.
[ ٧٨ ]
من اكتفى منهم برواية الأحاديث وكتابتها ونقلها وأهمل التفقه في معانيها وتدبر ما تدل عليه من أحكام وفوائد.
ــــــ وأما النحاة واللغويون، فيقول عنهم: «النحويون لا بأس بهم، وعملهم حسنٌ يُحتاج إليه، لكن النحوي إذا أمعن في العربية، وعري من علم الكتاب والسنة، بقي فارغًا بطالًا لعَّبًا» (^١).
وهكذا يمضي الذهبي في رسالته هذه في نقد بقية أرباب العلوم على اختلاف اختصاصاتهم وبيان ما لهم من فضل فيشيد به وما عليهم من مآخذ فينبه عليها، وكل قصده من وراء هذا النقد الارتقاء بتلك العلوم والدفع بها وبأصحابها إلى ما هو أفضل.
_________________
(١) بيان زغل العلم ص ١٢٦.
[ ٧٩ ]