كان الإمام الذهبي ﵀ في مسألة أسماء الله وصفاته يسير على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، لا يؤِّول ولا يشبّه، وكان يقول: «نعوذ بالله من التشبيه ومن إنكار أحاديث الصِّفات، فما يُنكر الثابت منها من فقُه، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامانِ مذمومان: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أوّلها السلف، ولا حرّفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت.
المقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصوّرها من جنس صفات البشر، وتشكّلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف ﷿ لم نره، ولا أخبرنا أحدٌ أنه عاينه مع قوله لنا في التنزيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ، تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدَّسة، نقرّ بها ونعتقد أنها حق، ولا نمثلها أصلًا ولا نشكِّلها» (^١).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦١٠ - ٦١١، وينظر أيضًا ١١/ ٣٧٦، ١٩/ ٤٤٩.
[ ٨٩ ]
ــــــ بيد أن الذهبي وبالرغم من ترجيحه لطريقة السلف الصالح في إثبات الصفات الإلهية دون تشبيه أو تأويل أو تكييف، إلا أنه لم يكن يكفّر القائلين بتفويض معاني بعض تلك الصفات أو تأويلها بقصد تعظيم الله ﷿ وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، وكان يرى التماس العذر لهؤلاء.
فقد نقل في ترجمة أبي العباس السراج (ت: ٣١٣ هـ) أنه قال: «من لم يُقرّ بأن الله تعالى يعجبُ ويضحكُ وينزلُ كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: من يسألني فأعطيَه، فهو زنديق كافرٌ، يستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين»!!
ثم تعقّبه الذهبي وردّ عليه قائلًا: «لا يُكفّر، إلا إن علم أن رسول الله ﷺ قاله، فإن جحد بعد ذلك فهذا معاند، نسأل الله الهدى، وإن اعترف أن هذا حق، ولكن قال: لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن وأول ذلك كله أو تأول بعضه فهو طريقة معروفة» (^١).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
[ ٩٠ ]
ــــ وعندما ذكر الخلاف في إثبات كلام الله تعالى حقيقة بحرف وصوت قال: «الذي أعتقده ما صحّ به النّصّ، وهو أنّ الله كلّم موسى تكليما، وسمع موسى كلامَ الله حقيقة بأذنه، وما عدا هذا لا أخوض فيه، ولا أكفّر من خاض فيه مِنْ الطّرفين» (^١).
ـــــ وقد وصف الذهبي حال المثبتين للصفات والمؤولين لها فقال: «ما قصدهم إلا تعظيم الباري ﷿ من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنّة، وهذا هو مذهب السلف ﵃» (^٢).
وهذا يدل على أن الذهبي كان يرجح مذهب الإثبات مع نفي التشبيه، لكنه كان يلتمس العذر للمخالفين الذين قصدوا تنزيه الله ﷿ عن مشابهة المخلوقين وإن كانوا قد أخطؤوا الطريق.
ــــــ وكان الذهبي كثيرًا ما يكرر هذه العبارة: «نرجو لكل من بذل جهده في طلب الحق أن يُغفر له من هذه الأمة المرحومة» (^٣).
_________________
(١) تاريخ الإسلام ٤٨/ ٢٨٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٦٤.
(٣) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٧٢. وينظر المجلد نفسه ص ٣٩.
[ ٩١ ]