وربما تساءل البعض: لماذا اخترت الذهبي من بين سائر الأئمة؟
وجوابًا عن هذا السؤال أقول: إن منهج الاعتدال والوسطية هو السِّمة الغالبة على علماء الأمة منذ صدر الإسلام وعبر عصوره حتى يومنا هذا إلا من شذ وندر.
وإنما اخترت الذهبي لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: يعود إلى أن الذهبي قد ترك لنا في هذا الباب تقعيدات مهمة وتأصيلات قيّمة، تجدر دراستها وإدارة حديث جاد حولها للإفادة منها.
السبب الثاني: أن هذه التأصيلات والتقعيدات صادرةٌ عن إمام كبير، وحافظ ناقد قدير، قد عرف علمه العلماء ودان لمكانته المحدثون والفقهاء، فضلًا عمّا عُرف به من الديانة والورع، فكلامه له وزنه وقيمته وتأثيره، وإن كنّا لا ندعي العصمة له ولا لغيره من علماء المسلمين.
[ ١١ ]
السبب الثالث: أن الذهبي ﵀ لم يترك لنا في موضوع الاعتدال والوسطية كتابًا مستقلًا أو فصلًا مفردًا، وإنما هي تعقيبات وتعليقات متفرقة كان يبثها وينثرها في مختلف كتبه كلّما عنّت لها حاجة أو طرأت لها مناسبة.
إن الإمام الحافظ الذهبي لم يكن مجرد مؤرخ ينقل أخبار من تَقَدّم فحسب، بل كان كثيرًا ما ينقد ما ينقل ويعقّب ويعلّق على كل ما لا يراه صحيحًا أو مخالفًا للشرع أو العقل أو خارجًا على حدّ الذوق العام أو ما فيه مبالغة ومجازفة ظاهرة، فضلًا عن نقده للكثير من الكتب والمصادر التي يطالعها وينقل عنها.
ولعل هذه الخصلة هي أهم ما تتجلى فيه قيمة كتب الحافظ الذهبي، أعني هذه التعليقات والتعقيبات والتصويبات التي كان يبثها بين الحين والآخر، وإلا فإن ما يذكره من معلومات وحوادث قد تكون متاحة في بقية كتب التراجم والتاريخ الأخرى.
ولأجل هذه الأسباب كلها جاءت هذه المحاولة المتواضعة من كاتب هذه السطور في جمع ما تفرق من كلام الذهبي ولم شتاته
[ ١٢ ]
وتبويبه وتوثيقه فيما يخص موضوع الإنصاف والاعتدال فحسب، وإن كنت لا أزعم الاستيعاب والتقصي، وقد تكون فاتتني بعض المواضع مما هو من طبع البشر.
[ ١٣ ]