وأما عن منهجي في البحث: فقد قمت بجمع ما وقفتُ عليه من كلام الحافظ الذهبي مما يخصّ موضوع الكتاب فحسب (^١)، ثم صنّفت كلامه ووثّقته وبوّبته ووضعت له ما يناسبه من عناوين جانبية.
ولم أر داعيا لإطالة البحث أو إثقال حواشيه بشرح كلام الذهبي أو نقل ما يشهد له من النصوص أو من كلام الأئمة إلا في القليل النادر. فكلام الذهبي واضح جدًا، ولو فتحت باب الشرح والتعليق لطالت ذيول البحث وتشعبت فصوله وخرج عن مقصوده.
أيضًا قد يكرر الذهبي بعض الآراء والأفكار في مواطن عدة من كتبه بحسب الحاجة والمناسبة، وفي هذه الحال قد أكتفي ببعض الشواهد من كلامه، وأترك الأخرى خشية الإطالة.
_________________
(١) للذهبي تعليقات وتعقيبات كثيرة، منها ما يتعلق بمسائل علمية كالحكم على الرواة ونقد المرويات، أو إبداء رأي في مسألة فقهية أو عقدية أو حديثية، أو تعليقات تتعلق ببعض الآداب ونحوها، لكني لم أقيّد هنا إلا ما يختص بموضوع الإنصاف.
[ ١٩ ]
وعلم الله أني قد اضطررت في سبيل جمع هذه المادة إلى مطالعة وجرد معظم كتب الذهبي الكبار، من أمثال مدونته الكبرى: تاريخ الإسلام بمجلداتها التي زادت على الخمسين مجلدًا، وكتابه العظيم: سِيَر أعلام النبلاء، وكتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ومعجم الشيوخ الكبير، والمعجم المختص بالمحدثين، والعِبَر في أخبار من غَبَر، وتذكرة الحفاظ، وبيان زَغَل العلم.
هذه أهم كتب الذهبي، وقد تكون له تعليقات في ثنايا كتبه الأخرى، لكني أتصور ندرتها فتركتها، والله أعلم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الباحثين كان قد سبقني في جمع شيء من كلام الذهبي وتعليقاته، لكني وجدتها كتبًا عامة جمعت من كلام الذهبي وآراءه قضايا متنوعة، تتعلق بالآداب والسلوك وضرورة لزوم سنة النبي -ﷺ- ومحبته وتعظيم العلماء، أو كلامًا يتعلق بتحقيق مسائل في السيرة أو التاريخ أو العقيدة أو الفقه، فضلًا عن كونها لم تستقرء كتب الذهبي وقد فاتها الشيء الكثير.
هذا وقد كنت عزمت على تسمية كتابي هذا بالوسيطة في
[ ٢٠ ]
فكر الحافظ الذهبي، لكني عدلت إلى تسميته بـ "الإنصاف والاعتدال في فكر الحافظ الذهبي" لأني رأيت الذهبي نفسه قد استعمل هذه العبارة عندما ذكر اختلاف بعض الناس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- بين غال في حبِّه أو مفرط في بغضه، فقال الذهبي ﵀ معلقًا: «فبالله كيف يكون حال من نشأ في إِقليم، لا يكاد يُشاهد فيه إِلاَّ غاليًا في الحبِّ، مفرطًا في البغض، ومن أين يقع له الإِنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية …» (^١).
ولعلي أختم هذا المقدمة بما ختم به الحافظ الذهبي مقدمة كتابه تاريخ الإسلام عندما قال: (وأنا أرغبُ إلى الله تعالى، وابتهلُ إليه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لجامِعة وسامِعه ومطالِعه وللمسلمين، آمين) (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٣/ ١٢٨.
(٢) تاريخ الإسلام ١/ ١٠.
[ ٢١ ]