أهمية مستدرك ابن الأمين
إذا كان كتاب الاستيعاب من أجلّ الكتب المؤلفة في الصحابة وأهمها، فإن استدراك ابن الأمين يكتسي أهمية لا تقل عن الأصل، وذلك راجع لجملة من الأسباب:
*يمثل مؤلّفة استدراكا وذيلا على كتاب معتبر ومعتمد عند أصحاب المغازي والسير والمؤرخين والنسابين، وهو يحوي اثنين وثمانين وسبعمائة ترجمة صحابي وصحابية، لم ترد في الاستيعاب.
*يتفرد بنقول ليست في كتاب ابن عبد البر.
*يعتبر المؤلّف من الكتب الأندلسية المهمة في بابها، التي وصلت إلينا، وحفظت من عوادي الزمن.
*يعود المستدرك إلى عصر متقدم نسبيا، وهو النصف الأول من القرن السادس، مما يضفي عليه صبغة من الأصالة والسبق.
*يحتفظ لنا الكتاب بثروة تاريخية ورجالية وحديثية مهمة، ويعد مصدرا لعدد غير قليل من المؤرخين والمحدثين ممن جاءوا بعد ابن الأمين، من المغاربة والمشارقة، حيث جعلوه أصلا للتراجم الواردة في مؤلفاتهم في أحيان كثيرة، وسندا معولا عليه في إثبات الصحبة لعدد من الصحابة، وهذا دليل على مكانة الكتاب عندهم، وعلو منزلة صاحبه العلمية في نفوسهم.
ولعل من أشهر من اعتمد عليه من المصنفين كما سبقت الإشارة: عيسى بن سليمان الرعيني الأندلسي، والحافظين الذهبي وابن حجر.
[ ١ / ١٢٧ ]
ومنهم من اطلع على كتاب ابن الأمين وأفاد منه ولم ينقل عنه، كابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه «توضيح المشتبه»، وذلك في موضعين من المواضع التي استدرك فيها أسماء بعض الصحابة، حيث قال في ترجمة سلافة بنت سعد بن شهيد: (ولم يذكرها أحد من هؤلاء الأئمة: ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبد البر، وابن الجوزي، ولم يستدركها أبو موسى المديني على ابن منده، ولا ابن الأمين علي ابن عبد البر) (^٥).
وقال في ترجمة قريع: (كذا نقلته من خط المصنف، وفيه نظر، فإن قريعا لم أقف له على صحبة، ولم يذكره أحد في الصحابة من ابن منده، وأبي نعيم، وأبي موسى المديني، وابن عبد البر، وابن الجوزي، وإبراهيم ابن الأمين في استدراكه على ابن عبد البر، ولم يذكره المصنف في التجريد، مع أنه ذكر خلقا من التابعين وأشار إليهم) (^٦).
ويزيد من أهمية الكتاب نسخته المخطوطة التي تتمتع بمزايا عدة منها:
*النسخة-وهي برواية أندلسية-، مروية من طريق ابن الصلاح، وتمتاز بطررها المليئة باستدراكاته وتعاليقه بخطه، وهذا يفيد تملكه لنسخة ابن الأمين من المستدرك، مما يزيد من قيمتها، ويظهر مدى العناية التي لقيها الكتاب.
*النسخة مسندة، من راويها إلى مؤلفها، وبين وفاته ووفاة راويها مائة سنة.
*تتضمن هذه النسخة أربعة طرق للتحمل والأداء: الإذن، والإجازة، والكتابة، والتحديث.
_________________
(١) ابن ناصر الدين الدمشقي: توضيح المشتبه ٥/ ٣٧٤.
(٢) ابن ناصر الدين الدمشقي: توضيح المشتبه ٧/ ٢١٣.
[ ١ / ١٢٨ ]
*النسخة معارضة بأصلها، حيث اهتم بها كاتبها إلى حد كبير، فقام بعد نسخها بمقابلتها بالأصل المنقول منه، إذ يوجد بها علامة المعارضة، وهي عبارة عن دارة بداخلها نقطة في نهاية كل ترجمة، إضافة إلى ما جاء مثبتا في آخر ورقة من المخطوطة: (أنهيته مقابلة) (^٧)، كما أنه أعاد المقابلة أكثر من مرة، جاء في آخر الكتاب: (أنهيته مقابلة مرة بعد أخرى، وصححته جهد طاقتي) (^٨)، كما أثبت على هامشها بعض اللحق والسقط مما استدركه عند مقابلته لها، وكان يكتب بعد إثبات ما سقط عليه «صح»، مما يدل على أن النسخة معارضة ومراجعة مما يبعث على الثقة بها.
*قيدت على النسخة سماعات، قال ناسخها: (نقلت من خط الحافظ تقي الدين ابن الصلاح﵀-، نقل لي من نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد ابن عبد الواحد المقدسي-غفر الله له-، ثم قابلته بها، وفي آخرها بخطه ما اختصاره وحكايته: كان في النسخة التي نقلت منها، ثم كان الأصل بهذا الكتاب مع الزيادات بخط محمد بن خير بن عمر المقرئ، وكان في (. . . .) (^٩). بخطه ما حكايته: لما قرأت جميع هذا الجزء على الشيخ الفقيه الإمام الرواية المحدث أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الأنصاري﵁-، وعن سلفه في مسجد () (^١٠).
ثم زاد الناسخ قائلا: (وسمعه بقراءة جماعة من الطلبة).
من خلال ما تقدم، يتبين لنا جليا أن النسخة علاوة على أنها كانت في يد العلماء الكبار كابن الصلاح ثم أبي عبد الله المقدسي وابن خير الإشبيلي الذي
_________________
(١) ابن الأمين: الاستدراك (ق ٣١/ب).
(٢) ابن الأمين: الاستدراك (٣١/ب).
(٣) طمس قدره كلمة.
(٤) طمس قدره كلمة، ولعله اسم الجامع.
[ ١ / ١٢٩ ]
تحملها مرتين، إحداهما بالقراءة على الشيخ وهي من أعلى مراتب التحمل، والثانية بطريق العرض أي سماعها بالقراءة أمام جماعة من الطلبة والشيخ يسمع، أضف إلى ذلك أن نسخة ابن خير تم في آخرها الطباق، وهذا يعزز صحتها.
ولا تعزى أهمية هذا الكتاب إلى رواية أكابر العلماء فحسب، بل أيضا إلى وضوح خط نسخته، ودقة إعجامها وضبطها، حيث أثبتت بالنسخة حواش يبدو أنها من الناسخ، فيها تصويب لبعض الأشياء أو توضيح لبعض الأمور، أو إضافات، وهذا أيضا يزيد من قيمة هذه النسخة، لكون ناسخها على مستوى عال من الاجتهاد، مما يدل على أنه من أهل العلم، إذ لم يفته ضبط كلمة، أو إعجام لفظة، ولم يسقط منه استدراك أو تصحيح كان في الأصل الذي ينقل عنه، فكان أمينا في نقله، حريصا على سلامته، مقدرا المسؤولية التي تحملها.
*النسخة تمتاز بقدم نسخها، وجودة خطها، كما أنها كاملة الأوراق، وخالية من الطمس والخرم، إلا من طمس تاريخ نسخها، أو كلمة في السماعات.