منهج المؤلف في الكتاب
لم يبين ابن الأمين في مقدمة كتابه المنهج الذي سار عليه، كما أنه لم يذكر بواعث تأليفه، إذ قصد مباشرة بعد البسملة، إلى تراجم الصحابة ﵃ موضوع الكتاب.
اعتمد ابن الأمين ﵀ في ترتيب الاستدراك التبويب على الحروف الهجائية في الحرف الأول دون الالتزام بالترتيب في لحرف الثاني، وهكذا فقد قدم في ترتيبه من اسمه إسماعيل، وإبراهيم على من اسمه أبان، وأحمد، وفي حرف الخاء جعل خالدا تاليا لخلف، وقدم في حرف العين عمرا على علي، ولم يجعل ابن الأمين كل اسم تحت باب مستقل كأن يدرج في باب الحاء باب الحارث، وباب حبيب بل يجمعها كلها تحت باب الحاء، والترتيب الهجائي داخل كل باب مفقود في كل الكتاب، ولم يرتب أسماء الصحابة داخل أبوابها، بل إنه اكتفى بسردهم، فمثلا في باب الخاء بدأ بخبيب، ثم بعد ذلك ذكر خالدا، بل إنه أحيانا يسرد من ذكر مثلا في باب خالد أو أي اسم، ثم يخلص لذكر اسم آخر ثم يرجع ليذكر خالدا، ولعل سبب ذلك هو الإضافات والإلحاقات التي ألحقها فيما بعد حيث لم يضع كل ترجمة في مكانها المناسب، فكلما وجد اسم صحابي أدرجه، ولم يتأت له وضعه في مكانه. كما أنه لم يجعل لكل حرف بابا للأفراد كشأن من تقدمه، وكصنيع ابن عبد البر في استيعابه، بل ذكرها ضمن الحرف الواحد.
وقد خالف المصنف منهجه الذي سار عليه في ترتيب أسماء الصحابة على حسب حروف المعجم في اثني عشر موضعا، فأدخل مثلا القائف في باب الألف، وسنانا في باب الخاء، ومحاربا وشيبة في باب العين، ووهبا وثابتا في باب الميم وهكذا، وكان الأنسب ذكر كل اسم في مكانه. والملاحظ أن
[ ١ / ١٣٢ ]
الخروج عن المنهجية العلمية في الترتيب إما أن يكون الصحابي أخا الصحابي، أو وفد معه. وهكذا فاضطراب الترتيب الهجائي داخل الحرف الواحد يضطر القارئ معه لقراءة الحرف الواحد كاملا للوصول إلى الشخص المطلوب.
وقسم ابن الأمين كتابه إلى أربعة أقسام:
أسماء الصحابة الرجال وكناهم،
ثم أسماء الصحابيات وكناهن.
ويعيد أحيانا الصحابي الذي ذكره باسمه إذا كان مشهورا في الكنى مثل كيسان فقد ذكره في الأسماء وفي الكنى بأبي سعيد المقبري.
وتراجمه جد مقتضبة أغلبها لا تتعدى السطر، يقتصر فيها غالبا على ذكر اسم الصحابي المستدرك، وكنيته ونسبه مع ضبط ما يشتبه أو يشكل ضبط قلم وأحيانا ضبط حروف، كما هو الشأن في ترجمة ذهبن بن قرضم وشتيم، ولكن في الغالب تأتي الكلمات عارية عن الشكل والنقط، ثم يورد مصدره للصحبة الذي نقل عنه، وأحيانا لا يذكره، وذلك في واحد وخمسين موضعا (^١١). وحين ينقل صحابيين أو أكثر من مصدر واحد فإنه لا يحيل في كل ترجمة من هذه التراجم على مظانه، بل يترك ذلك للترجمة الأخيرة فيقول مثلا: (ذكرهما ابن ماكولا)، وثبت هذا في ستة مواضع (^١٢). وقلما يذكر للصحابي حديثا، وإنما يكتفي بالقول: (له حديث) (^١٣).
_________________
(١) ابن الأمين: الاستدراك (ق ٥/أ (تميم بن حرشة)،٥/ب (جناب بن قيظي)،٦/أ (الحارث بن سويد)،٧/أ (حنيف بن رئاب»
(٢) ابن الأمين: الاستدراك (ق ٥/ب (جارية بن أصرم وجزء بن الحدرد) ٢٣/ب (زينب بنت مصعب، زينب بنت كعب بن عجرة، زينب بنت حيان، زينب الطائية).
(٣) ابن الأمين: الاستدراك (ق ١/أ (أوس أبو حاجب الكلابي)،١/ب (الإحمري)،٤/أ (أثوب بن عتبة)،٤/ب (بهزاد)،٥/أ (ثعلبة بن عبد الرحمن».
[ ١ / ١٣٣ ]
ولعل سبب هذا الاقتضاب راجع إلى كون ابن الأمين آثر الاستيفاء في أسماء الصحابة على الوفاء بتعريف الأحوال، فجاء كتابه مستوعبا لاثنتين وثمانين وسبعمائة ترجمة صحابي وصحابية، في الورقة الواحدة قرابة ٣٠ ترجمة.
ولم تتأكد لابن الأمين صحبة كل من ترجم له في استدراكه، وقد صرح بذلك في عدد من المواطن، وأحيانا يذكر اسم الصحابي بصيغة التمريض أو بزيادة عبارة: (وفيه نظر) وذلك في خمسة مواضع، وتوقف عن تبيين الاختلاف في ذلك كما هو الشأن في الترجمة رقم ٢٣ و٧٧ و١٠٩ و١١٧ و١٣٣.
كما يكرر الترجمة أحيانا كأسود بن خزاعي، وخزاعي بن أسود، ولا يرجح الصواب في ذلك، وكذلك الشأن في أبجر بن غالب، وغالب بن أبجر، ولعله بإيراد اسم الصحابي هنا وهناك يؤكد حرصه على ذكر وجوه تسميته، ولم يعقب هنا ولا هناك بأن الصواب في اسمه ما يلي، وسكت عن ذلك، وربما لم يتبين له أيهما أصح، وقد اتضح لمن بعده من الأئمة صوابه فبينوه.
كان جل مقصود ابن الأمين في الكتاب هو بيان أن للمترجم صحبة، فاعتنى في كتابه بمن يذكر في إسناد حديثه أن له صحبة، أو أنه كان من أصحاب النبي ﷺ، أو أنه قال فيه راويه: «رأيت رسول الله ﷺ»، أو «وفدت إليه»، أو «كنت معه»، أو «سمعته يقول»، أو بذكر حديث مشهور وإن كان منكرا، ويكتفي بالإحالة على المصدر الذي نقل منه ليتخلص من العهدة، وما إلى ذلك مما يفيد صحبة راويه.
ولابن الأمين في إثبات صحبة الصحابي عن طريق الأحاديث صورتان:
الأولى: أن يذكر الحديث للصحابي، وورد ذلك في ستة عشر موضعا (^١٤).
الثانية: أن يقتصر على ذكر الحديث ضمنيا، كأن يقول حين إيراده لاسم الصحابي: «له حديث»، أو يحيل على المصدر ويقول: «ذكر له حديثا» ونجد
_________________
(١) انظر التراجم الآتية من الاستدراك:١٦٨ - ٢٢٠ - ٢٩١ - ٤٩٤. . .
[ ١ / ١٣٤ ]
هذا في أربعة وخمسين موضعا، علما أن صحبة كثير من الصحابة ثبتت بالأحاديث، كما بينه من ترجم لهم بعده، أو يذكر حديثا يرد فيه التصريح بصحبة الصحابي ورؤيته الرسول ﷺ.
من منهجه أيضا أنه غالبا ما يحيل على المصدر الذي نقل منه دون أن يصرح باسمه، مما أضناني في البحث عن النقل خصوصا إذا كان له عدة مؤلفات كالدارقطني والخطيب البغدادي. ولم يصرح باسم الكتاب إلا في تسعة وستين موضعا. والمتصفح لفهرس الكتب الواردة في متن المستدرك يدرك أسماء هذه الكتب، وكم من مرة اعتمد ابن الأمين على الكتاب الواحد. كما أن من هذه المصادر ما انفرد ابن الأمين بالنقل عنها، وضنت بها حتى المصادر التي ألفت في هذا المجال بعده كابن الأثير، والذهبي، وابن حجر مثلا، بل إن من هذه المصادر ما لم أجد له ذكرا خلال بحثي وتجريدي لأغلب كتب التراجم والحديث المغربية والمشرقية، منها: فوائد ابن عائذ، وفوائد ابن البناء، وفوائد ابن إسماعيل.
ومستدرك ابن الأمين منه ما هو مستدرك على أبي عمر من أبي عمر، كأن يكون ذكر الصحابي مع أبيه، أو مع ابنه، أو ابنته، أو أخيه، أو ذكره في الكنى ولم يترجم له في بابه ومنها ما هو مستدرك استدراكا صرفا على ابن عبد البر. وزيادات أبي القاسم ابن بشكوال على ابن الأمين تأتي في أبوابها من الحروف مذيلة بعبارة «قاله خلف» قال د/محمد يسف: (وليس بالقليل، بل يمكن تجريد مستدرك لابن بشكوال من هذه النسخة) (^١٥).
أما عن أسلوب ابن الأمين فهو أسلوب مقتضب، يقتصر في الترجمة على سرد الأسماء وذكر مظانها.
وقد رجع ابن الأمين إلى كتب الأنساب، والمشتبه لضبط أسماء الرجال والنساء والقبائل.
_________________
(١) د/محمد يسف: المصنفات المغربية ٢/ ٦٦.
[ ١ / ١٣٥ ]
ولابن الأمين منزع لطيف في توهيم ابن عبد البر أو الرد عليه، فهو يقتصر فقط على ذكر كلمة «فانظره» أو «فيه نظر» كما في ترجمة صفية بنت الخطاب.