مخطوطة الكتاب ووصفها
بعد البحث في كثير من فهارس مكتبات العالم الخاصة بالمخطوطات، وكذلك المراسلات العديدة التي أرسلتها لدول عربية وأوربية من أجل الاستقصاء بشأن المخطوط، واستفسار أهل العلم، وتكليف من لي بهم علاقة -من أهل هذا الشأن-بالبحث عنه، كل هذا لم يسعفني إلا بوجود نسخة وحيدة نادرة في العالم-حسب علمي-وهي نسخة فريدة بدار الكتب
_________________
(١) الرعيني: الجامع (ق ٢٩٣/أ).
(٢) الرعيني: الجامع (ق ٢٩٨/أ).
(٣) ابن حجر: الإصابة ٨/ ٧٧ - ٧٨ ت ١١٦٣٦ ق ٣.
(٤) ابن حجر: الإصابة ٨/ ٩٥ ت ١١٦٨٤ ق ١.
[ ١ / ١٤٨ ]
التيمورية بالقاهرة تحت رقم ٨٩٠ تاريخ، ورقم المصورة عنها ٢٧ تاريخ، وهي الفريدة في وجودها. وقد تفضل شيخي الجليل الدكتور القدير محمد الراوندي بإطلاعي عليها وتمكيني من نسخها، وهي مما أتحفته به المرحومة الدكتورة عائشة عبد الرحمن كما أفادني بذلك جازاهما الله جميعا خير الجزاء.
وقام بوصف للمخطوطة الأصلية وصفا ماديا الدكتور/عبد اللطيف حسن أفندي، أستاذ يدرس بكلية الآثار بجامعة القاهرة، قسم ترميم الآثار فجزاه الله كل خير، وهي توجد ضمن مجموع في ١٧٦ صفحة، يحتوي على أربع مخطوطات وهي:
١ - «كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء» لمحمد ابن حبيب رواية عثمان ابن جني، وعليه وقف محمد بن إسماعيل بن محمد تيمور بمصر سنة ١٣٢٠ هـ يبدأ ص ١.
٢ - «تذكرة الألباب بأصول الأنساب» لأبي جعفر يبدأ ص:٢٥.
٣ - «كتاب الاستدراك على الاستيعاب» للحافظ ابن عبد البر يبدأ ص:٧٧.
٤ - «كتاب النبات» للأصمعي يبدأ ص:١٣٧.
ونسخة الخزانة التيمورية يحتفظ مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض بمصورة منها عن جامعة الكويت، مكتبة كلية الآداب والمخطوطات تحت رقم ٢٤٢ ب. وأفادني شيخي وأستاذي الدكتور حسن الوراكلي-جزاه الله كل خير-بوجود نسختين مصورتين منه، إحداهما بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأخرى بمكتبة الحرم النبوي الشريف.
ومع ذلك فإن الذي يتبين من البحث أن للاستدراك أكثر من نسخة، دل على ذلك نقول العلماء عن ابن الأمين حيث جاءت تلك النقول في مصادرهم مخالفة لما في النسخة التي بين أيدينا.
[ ١ / ١٤٩ ]
فابن حجر في إصابته ذكر الخلاف في أحد عشر موضعا، وابن سيد الناس والذهبي والرعيني في موضع واحد، بل أكثر من ذلك فقد صرح ابن حجر في ترجمة طباية بن معيص بوجود نسختين قال: (ثم رأيته مضبوطا بضم أوله وبالموحدة قبل الألف في نسختين من استدراك ابن الأمين) (^٥٤).
وتبتدئ المخطوطة التيمورية في ص:٧٧ من المجموع المشار إليه بعبارة: (قال الشيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو عثمان عرف بابن الصلاح. . .).
وتنتهي في ص:١٣٦ بقوله: (الحمد لله حق حمده، نقلت من خط الحافظ تقي الدين ابن الصلاح ﵀).
فالمخطوطة تقع في ٣١ ورقة في ١٨ سطر، يتراوح عدد الكلمات في السطر الواحد ما بين إحدى عشرة وثمانية عشر بمقياس ٨.١٦*٥.١٣، مكتوبة بخط مشرقي أسود محلى بالأحمر الفاتح في أسماء القبائل، بقلم نسخ مضبوط بالحركات مع إهمال للحروف والنقط، على ورق مقوى حديث من صناعة دار الكتب بلون بني فاتح يميل إلى البياض.
والمخطوط مفكك وبه آثار ترميم وبقع، وتمتاز النسخة بقلة الأخطاء، وهي مقابلة على نسخة الأصل، إذ يوجد بها فواصل في أثناء الكلام عند نهاية كل ترجمة على شكل دارة منقوطة، وهذه العلامة تعني عند النساخ الأقدمين أن الكلام الذي قبلها قد قوبل، لأنهم يضعون الدارة غفلا من النقط عند النسخ، فإذا قابلوا نقطوها. كما أسقط الناسخ الألف الوسطى من بعض الكلمات مثل: الحرث-الحارث، وعبد الرحمن-عبد الرحمان، وعثمن- عثمان، وملك-مالك.
وفي هوامش بعض الصفحات تصحيحات وإضافات بخط الناسخ نفسه تتعلق بضبط بعض الأسماء، وتحقيق بعض الأنساب، وإلحاقات من الأنساب
_________________
(١) ابن حجر: الإصابة ٣/ ٥٤٧ - ٨٤٥ ت ٤٣٠٥ ق ١.
[ ١ / ١٥٠ ]
التي أهملها المؤلف، وكثير منها مأخوذ من إكمال ابن ماكولا، وجمهرة ابن الكلبي، وكتاب النسب لأبي عبيد القاسم ابن سلام، وأنساب الرشاطي، كما أن منها ما لا يذكر له الناسخ مصدرا ولا مرجعا.
وذكر الناسخ اسمه في الورقة الأولى من الكتاب قال: (نقلت هذه الفهرسة حيثما أثبتها هنا من خط الإمام الحافظ تقي الدين ابن الصلاح رحمة الله عليه، قال ذلك العبد أحمد بن علي بن إسماعيل بن محمد ابن هشام اللخمي الأندلسي) (^٥٥)، أما اسم ناسخ نسخة ابن الصلاح فهو محمد ابن خير الإشبيلي (^٥٦) الذي قرأ جميع هذا الجزء على الشيخ الفقيه الإمام الراوية المحدث أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود ابن بشكوال الأنصاري.
ولا أستبعد أن تكون نسخة «مستدرك ابن الصلاح على الاستيعاب» هي نفسها نسخة استدراك ابن الأمين ما دام يرويها عن شيخه، وكم كنت أتمنى أن تصلني نسخة منه لأقطع دابر هذا الشك.
أما تاريخ نسخ المخطوطة فلم أتوصل إلى قراءته بسبب طمسه، ولم يتوصل القائمون على المكتبة التيمورية ولا الدكتور عبد اللطيف أفندي إلى قراءته.
مما سبق يبرز قيمة مستدرك ابن الأمين، على الرغم من أن النسخة وحيدة فإنها على العموم جيدة بفضل الله، سواء فيما يتعلق بنسخها، أو بالمعلومات
_________________
(١) بحثت عن ترجمته فلم أقف عليها.
(٢) ابن خير بن عمر بن خليفة اللمتوني الإشبيلي، ولد سنة ٥٠٢ هـ، أخذ القراءات عن شريح ولازمه، وهو أنبل أصحابه، وسمع منه ومن أبي مروان الباجي، والقاضي أبي بكر ابن العربي، وارتحل إلى قرطبة فأخذ عن أبي جعفر ابن عبد العزيز، وأبي القاسم ابن بقي، وابن مغيث، وابن أبي الخصال وخلق حتى سمع من رفاقه. قال الذهبي: (كان مقرئا مجودا، ومحدثا متقنا، أديبا لغويا، واسع المعرفة رضيا مأمونا. ولما مات بيعت كتبه بأغلى ثمن لصحتها ولم يكن له نظير في هذا الشأن مع الحظ الأوفر من علم اللسان مات سنة ٥٧٥ هـ وكانت له جنازة مشهودة. انظر ترجمته: الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٨٦.
[ ١ / ١٥١ ]
المدونة فيها، إذ لم أقف على اختلاف ذي بال بينها وبين المصادر السابقة التي استقى منها ابن الأمين مادته، أو الكتب اللاحقة التي أفادت من الكتاب مما يدل على قيمتها، وعلى جودتها، ومما يبعث على الاطمئنان بها، ومكانته هذه خولت له أن يعد بحق من أمهات الكتب في هذا الميدان وأن يمثل درة ثمينة في عقد تراثنا الإسلامي العظيم، وأهميته هذه هي التي كانت الدافع والحافز وراء تحقيق الكتاب وإخراجه في هذه الرسالة، ووضعه بين أيدي المشتغلين في هذا الفن يستمدون منه بغيتهم، فوجوده في متناول الأيدي كأصل من أصول العلوم أمر ضروري.
أما ما ورد من نقول عن ابن الأمين التي جردها برهان الدين الحلبي وكتبها عبد العزيز الميمني حيث ورد في الورقة الأولى من «هوامش الاستيعاب»: (هذه الحواشي كما يظهر جرّدت من نسخة وقف عليها مجردها بخط إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي، وهو الذي جمع الحواشي من نسخة أبي الفتح ابن سيد الناس اليعمري، وأبي إسحاق ابن الأمين الذي يدعوه بكاتب الأصل، وقد ثبت خط إبراهيم على نسخته بالشرقية بحلب سنة ٨٠٦ هـ، وسمعها عليه رجال ذكرهم إبراهيم ص:٥، وروى الاستيعاب إبراهيم هذا عن شيخيه، وهما يرويانه عن شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جابر بن محمد الوادي آشي، كتب ذلك عبد العزيز الميمني البعلبكي سنة ١٣٤٦ هـ) وهي مما لم تطمئن النفس إلى نسبتها لابن الأمين وذلك بعد دراسة هذه الهوامش وتحقيقها، وقد استغرق مني ذلك زمنا لغزارة مادة «هوامش الاستيعاب»، وذلك لأسباب:
من خلال الدراسة للمخطوط تبين لي-حسب اطلاعي المتواضع-أن أسماء بعض الشخصيات المدرجة في أسانيد المخطوط والمروية عن ابن الأمين، والتي يفترض أن يكون شيخه، قد توفي قبله.
[ ١ / ١٥٢ ]
مثال ذلك ما ورد في (ق ٥٤/ب و٦٥/أو ٧٢/أو ٨٥/ب) عن أبي عمران الفاسي، وقد مات هذا الأخير سنة ٤٢٩ هـ أي قبل ولادة ابن الأمين بستين سنة، وكذلك ما ورد في (ق ٧٣/أ) أنه روى عن أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن ابن إسحاق البغدادي المعروف بابن الصواف، وقد مات سنة ٣٥٩ هـ، وهذا يستدعينا للتأكد أكثر والبحث فيما ورد في هذه النسخة.
-إن النقول الموجودة في الهوامش عند مقابلتها بالنقول الموجودة عند العلماء عن ابن الأمين لا نجد ذكرا لها عندهم، مما يحيلنا إلى القول أنها ربما لا تكون لابن الأمين، أو أنها تعليقات قالها ابن الأمين في أواخر حياته، مما جعلها لم توثق ولم تنشر حتى تعرف عنه.
ولهذا كله، ورغم دراستي لهذه التعليقات والتي جعلتني أضع علامات استفهام حول ما ورد فيها من الرموز المتشعبة والتي في بعض الأحيان يصعب معها معرفة نسبة الترجمة لمن؟ هل هي لابن الأمين أم للمجرّد، أم للناسخ أو غيره؟ وخوفا من تشعب الدراسة، وخوفا من الزمن المخصص لتقديم هذا البحث الذي يكاد ينتهي، ارتأى مشرفاي عدم إدراجها في هذه الدراسة رغم أهميتها، ولعل الزمن كفيل بأن يتيح لي الفرصة للتعمق أكثر في هذه التعليقات للخروج بنتائج علمية واضحة عن نسبتها الحقيقية.
[ ١ / ١٥٣ ]