إن المصادر التي بين أيدينا لا تعطينا نظرة ولو وجيزة عن نشأته، وعن بيئته، ولا أي شيء عن رحلاته العلمية، ولكن ما ذكره عنه ابن بشكوال نفترض عدم رحلته لأنه صاحبه وملازمه ولم يشر إلى ذلك.
وهكذا فإن شيوخه الذين تلقى عنهم العلم من مشيخة الأندلس قد عدهم ابن الأبار في"المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي"قال: (له رواية عن أبي محمد ابن عتاب، وأبي الوليد ابن طريف، وأبي القاسم ابن صواب، وأبي الوليد ابن رشد، وأبي الحسن ابن مغيث (^٧)، وغيرهم من مشيخة بلده، وسمع من أبي بكر ابن العربي هنالك، وكتب إليه أبو علي) (^٨)، أما ابن بشكوال فقال:
(روى عن جماعة من شيوخنا، وأكثر عنهم) (^٩).
من خلال نص ابن الأبار وذكره لأسماء شيوخه، يتبين لنا أن ابن الأمين سمع على الأعيان من شيوخ الوقت بالأندلس، وأنهم كانوا من الحفاظ الأئمة. فابن عتاب القرطبي الحافظ الفقيه من أعيان أصحاب أبي عمر ابن عبد البر، وأبو الوليد ابن طريف من الأدباء النحويين، واللغويين البلغاء، وأبو
_________________
(١) ابن الأبار: المعجم ص:٧٠ - ٧١ ت ٤٩.
(٢) تصحفت"مغيث"إلى"عفيف".
(٣) ابن الأبار: المعجم ص:٧٠ ت ٤٩.
(٤) ابن بشكوال: الصلة ١/ ١٠٠ ت ٢٢٧.
[ ١ / ٢٥ ]
القاسم ابن صواب عارف بالقراءات ورواياتها وطرقها، وأبو الوليد ابن رشد القرطبي قاضي الجماعة ومفتيها، ومن أوعية العلم في وقته، والقاضي أبو بكر ابن العربي الإشبيلي فقيه مالكي أصولي حافظ، والقاضي الشهيد أبو علي الصدفي مجمع على حفظه وعلمه ونبله، أما ابن بشكوال الذي ذكر العبارة بإطلاق لم يسم من شيوخه أحدا غيره، حيث تدبج معه في الرواية قال:
(أخذت عنه، وأخذ عني) (^١٠)، ولعل سبب ذلك أنه كان صاحبه وملازمه فقد قال في ترجمته (صاحبنا)، وهذا يعني أنهما كانا يأخذان عن نفس الشيوخ، وناهيك بجلة شيوخ ابن بشكوال، فهم من كبار العلماء فقهاء، أدباء، محدثين. . .
إذن، تقدم لنا لائحة الشيوخ تصورا أوليا عن ابن الأمين من خلال انتقائه لشيوخه الذين درس عليهم، وبذلك نستطيع القول: إن ابن الأمين حاول التنويع في مصادر معرفته وإغنائها على يد علماء أجلاء تختلف مشارب تخصصاتهم، وهذا يبين مدى حرصه على اكتساب المعرفة من أصولها الحقيقة، وسأترجم لهؤلاء مراعية في ترتيبهم الترتيب الزمني لوفياتهم، حتى يتبين صحة ما قلناه.