بلغ ابن عبد البر في التصنيف حد البراعة حتى (سارت بتصانيفه الركبان) (^١)، ووصفت بأنها (تيجان رؤوس العظماء، وأسوة العلم والعلماء) (^٢)، وكتبه المتنوعة كلها تشهد بعبقريته، أهمها في التراجم كتابه الاستيعاب الذي يعد أصلا من أصول التاريخ الإسلامي.
فهو أولا معول العلماء في معرفة تاريخ الإسلام وسير أهله، وهو ثانيا قبلة المؤلفين في الصحابة بعده، بل إن المنقب في كتب السيرة إلا ليجد النقول عنه مرة بعد مرة.
ومعلوم أن الإمام الحافظ ابن حجر جمع في كتابه الموسوم ب «الإصابة في تمييز الصحابة» بين الاستيعاب وذيولاته.
وتكفينا هنا شهادة ابن حزم الأندلسي حيث قال: (ومنها كتابه في الصحابة سماه كتاب"الاستيعاب في أسماء المذكورين في الروايات والسير
_________________
(١) الذهبي: السير ١٨/ ١٥٤.
(٢) ابن خاقان: مطمح الأنفس ص:٧٠.
[ ١ / ٤١ ]
والمصنفات من الصحابة ﵃، والتعريف بهم، وتلخيص أحوالهم ومنازلهم، وعيون أخبارهم على حروف المعجم اثنا عشر جزءا، ليس لأحد من المتقدمين على كثرة ما صنفوا في كتب الصحابة) (^٣).
وفي القرن السادس قال الحافظ أبو بكر ابن خير (ت ٥٧٥ هـ) في فهرسة مروياته: (وهو كتاب جليل مفيد، طابق اسمه معناه) (^٤).
وكانت عناية ابن عبد البر في جمع تأليفه أقوى، وحرصه على استكمال جوانب الموضوع فيه أشد، وذلك حتى بعد إتمامه والفراغ منه، يدل على ذلك وصيته لتلميذه أبي علي الغساني حيث قال له: (أمانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة لم أذكره إلا ألحقته في كتابي الذي في الصحابة) (^٥)، وقد وفى التلميذ بأمانة أستاذه، فذيل على الاستيعاب ما توصل إليه عن طريق الرواية، يدل على ذلك ما رواه الإمام أبو القاسم السهيلي بسنده المعروف إلى الحافظ أبي عمر ابن عبد البر، قال في رفيدة الأسلمية وتمريض سعد بن معاذ في خيمتها: (لم يذكرها أبو عمر، وزادها أبو علي الغساني في كتاب أبي عمر، حدثني بتلك الزوائد أبو بكر ابن طاهر عنه) (^٦). وتردد صدى هذه الوصية بالمغرب والمشرق، فكان ممن نقلها مؤرخ الإسلام الحافظ أبو عبد الله الذهبي في "التذكرة"حين ترجم للحافظ أبي عمر ابن عبد البر عن"الروض الأنف" (^٧).
ومما يزيد من أهمية هذا الكتاب أن الحفاظ والعلماء حملوه من عصر مؤلفه وتداولوه طبقة بعد طبقة بأسانيد متصلة موثقة، فقد حمله القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في"الغنية"مناولة من الفقيه الرواية أبي عمران موسى بن عبد الرحمن ابن أبي تليد الشاطبي (ت ٥١٧ هـ) (^٨). وأبو بكر ابن خير (ت ٥٧٥ هـ)
_________________
(١) ابن حزم: رسالة في فضل الأندلس ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) ابن خير: الفهرسة ص:٢١٤.
(٣) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(٤) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(٥) الذهبي: التذكرة ٤/ ١٢٣٤.
(٦) القاضي عياض: الغنية ص:٢٥٦ - ٢٥٧.
[ ١ / ٤٢ ]
حمله مع كتابه"الإنباه"وهو المدخل إلى الاستيعاب، قال: (حدثني بهما الشيخ المحدث الفقيه أبو بكر محمد ابن طاهر (ت ٥٢٧ هـ) قراءة مني عليه بلفظي في منزله، قال: حدثني بهما الحافظ أبو عمر ابن عبد البر قراءة عليه في منزلة بشاطبة سنة ٤٥٣ هـ، وحدثني بهما أبو محمد ابن عتاب، وأبو الحسن علي بن عبيد الله ابن موهب رحمهما الله إجازة فيما كتبا به إلي قالا: نا بهما أبو عمر ابن عبد البر مؤلفهما ﵀ (^٩).
والإمام أبو القاسم السهيلي (ت ٥٨١ هـ) في «الروض الأنف» عن ابن عبد البر، من طريق أبي بكر ابن طاهر أيضا عن أبي علي الغساني عنه (^١٠).
وأبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر التميمي (ت ٥٣٠ هـ) من أصحاب القاضي الشهيد أبي علي الصدفي قراءة على أبي علي الغساني عند ما ورد المرية للاستشفاء سنة ٤٩٦ هـ (^١١).
وأبو الحسن الرعيني الإشبيلي (ت ٦٦٦ هـ) عن شيخه أبي العباس أحمد ابن أبي عزفة (ت ٦٣٣ هـ) إجازة من مؤلفه أبي عمر (^١٢).
من خلال هذه النصوص التي بين أيدينا، نلمس أوجه تحمل هذا الكتاب عند العلماء، فمنهم من رواه سماعا ومنهم تحملا ومناولة. . . وهذا يبين لنا شدة حرص العلماء على التعامل مع هذا الكتاب وتداوله عصرا بعد عصر.