إن تأليف ابن عبد البر للاستيعاب كان قائما على أسس علمية، فقد توخى من تصنيفه أن يكون مختصرا ومستوعبا في نفس الوقت، لذلك عمد إلى جمع المعطيات المعرفية من مصادرها-أي المؤلفات السابقة في هذا الشأن-فوجد
_________________
(١) ابن خير: الفهرسة ص:٢١٤ - ٢١٥.
(٢) السهيلي: الروض الأنف ٣/ ٢٨٣.
(٣) ابن الأبار: المعجم ص:٢٣.
(٤) الرعيني: برنامج شيوخ الرعيني ص:٤٤.
[ ١ / ٤٣ ]
أصحابها طولوا في ذكر الأنساب، وأكثروا من إيراد الروايات الحديثية، وفاتهم أن يتقصوا أخبارهم وأحوالهم، فارتأى أن يجمع بين هذه المعارف ويخرجها لطالبيها شرابا خالصا، وهو في هذا يكون قد انتهج منهجا علميا قائما على الملاحظة والجمع والتقصي والتنقيح خلافا لمنهج سابقيه في الكتب التي كانت متداولة خصوصا في ميادين الحديث.
ويزيد دعامة لمنهجه العلمي استعماله لألفاظ الجرح والتعديل لنقد الرواة ونقد الأسانيد والترجيح بين الروايات.
وقد أفصح أبو عمر في خطبة استيعابه عن منهجه، وأشار إلى أهم المصادر التي استقى منها مادته الأصلية، والشيوخ الذين حدث عنهم أو قرأه عليهم، يقول أبو عمر: (وقد جمع قوم من العلماء في ذلك وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات، وهذا وإن كان له وجه، فهو تطويل على من أحب علم ما يعتمد عليه من أسمائهم ومعرفتهم، وهو مع ذلك شيء ليس عند صاحبه، فرأيت أن أجمع ذلك وأختصره وأقربه على من أراده. واعتمدت في هذا الكتاب على الأقوال المشهورة عند أهل العلم بالسير، وأهل العلم بالأثر والأنساب، وعلى التواريخ المعروفة التي عليها عول العلماء في معرفة أيام الإسلام وسير أهله) (^١٣).
وقال في موضع آخر: (وقد ذكرنا أنساب القبائل من الرواة من قريش والأنصار وسائر العرب في كتاب"الإنباه على القبائل الرواة"، وجعلناه مدخل هذا الكتاب ليغنينا عن الرفع في الأنساب، ويعيننا على ما شرطناه من الاختصار والتقريب) (^١٤).
فبين الاستيعاب والإنباه إذن علاقة وطيدة، كل منهما يكمل الآخر، وذلك بالنسبة للمتخصصين في هذا الميدان.
_________________
(١) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ١٩ - ٢٠.
(٢) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٢٤ - ٢٥.
[ ١ / ٤٤ ]
وقد ابتدأ ابن عبد البر كتابه الاستيعاب بذكر رسول الله ﷺ، واقتصر من خبره على النكت التي يجب الوقوف عليها، ولا يليق بذي علم الصحابة، بابا بابا على حروف المعجم على ما اشترطه من التقصي والاستيعاب (^١٥).
ثم شرع بعد ذلك بالترجمة للصحابة الرجال منهم، ثم أتبعه بقسم خاص بالنساء وكناهن.
وقد طبع كتاب الاستيعاب في حيدرآباد مرتين: الأولى بدائرة المعارف سنة ١٣١٨ هـ، والثانية سنة ١٣٣٦ هـ، وطبع بالقاهرة سنة ١٣٢٣ هـ على هامش الإصابة لابن حجر في مجلدات، وكذلك الطبعة بتحقيق طه الزيني، ثم طبع بتحقيق علي البجاوي في أربعة مجلدات. بمطبعة نهضة مصر بالفجالة.
وقد اشتمل جميع الكتاب على ٣٥٠٠ ترجمة بمن ذكر فيه باسم أو كنية (^١٦)، وعند الذهبي في التذكرة ٤٢٢٥ ترجمة بما فيهم تراجم النساء ومن اشتهر بكنيته (^١٧).
_________________
(١) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٢٥.
(٢) ابن حجر: الإصابة ١/ ٤.
(٣) الذهبي: التذكرة ٣/ ١١٢٩، حاجي خليفة: كشف الظنون ١/ ٨١.
[ ١ / ٤٥ ]