نعم لقد كانت للعلماء جهود واضحة ظاهرة في خدمة هذه السنة النبوية المشرفة، ومن جملة هذه الجهود المثمرة المشكورة ما نراه وما نسمع به من مؤلفات جليلة خدمت السنة وساهمت في حفظها، وخاصة ما يتعلق من هذه المؤلفات بعلم الرجال بصفة عامة، وما يتعلق منها بموضوع الكنى والأسماء بصفة خاصة ونظرا لأهمية هذا الموضوع موضوع "الكنى" فقد أهتم السلف الصالح بدراسته ومعرفته والتأليف فيه، وتنافسوا في معرفته واتقانه وعدوه من مآثرهم ومفاخرهم، وكانوا ينتقصون من جهله منهم.
فهذا الحافظ ابن عبد البر يكشف لنا عن أهمية هذا الفن فيقول في مقدمة الكتاب الثانى من هذه الرسالة: "وهو باب من فنه ظريف مستحسن، لم يزل أهل العلم بالسنن يعنون به، ويحفظونه، ويرسمونه في كتبهم، ويتطارحونه رغبة في الوقوف عليه، والمعرفة به، وينتقصون من جهله".
وقال ابن الصلاح: "وهذا فن مطلوب، لم يزل أهل العلم بالحديث يعنون به ويتحفظونه، ويتطارحونه فيما بينهم وينتقصون من جهله" (١).
وقال الحافظ العراقى: "معرفة الأسماء لذوى الكنى ومعرفة الكنى لذوى الأسماء وذلك نوع مهم ومن فوائده الأمن من ظن تعدد الراوى الواحد المسمى في موضع والمكنى في آخر" (٢).
_________________
(١) التقييد والإيضاح (ص ٣٦٨).
(٢) شرح الفية العراقى (٣/ ١١٥ - ١١٦).
[ ١ / ١٥ ]
وقال السخاوى: "فهو فن مهم ومطلوب وفائدة ضبطه الأمن من ظن تعدد الراوى الواحد المكنى في موضع والمسمى في آخر" (١).
ونظرًا لأهمية هذا الفن وظرافته، وقلة الكتب المطبوعة المتداولة بين أيدى الدراسين والباحثين فيه فإننى وجدت رغبة في المساهمة في هذا العلم ورغبت أن يكون موضوع رسالتى لهذه المرحلة مرحلة الدكتوراه هو أحد تلك الكتب القديمة النفيسة وذلك مساهمة منى أيضًا في إحياء هذا التراث القديم والكنز الثمين الذى خلفه لنا الأجداد الأقدمون رحمهم اللَّه تعالى.
وبعد بحث طويل عن كتاب مناسب لهذه الغاية، ذكر لى فضيلة الشيخ الدكتور شاكر فياض حفظه اللَّه هذا الكتاب "كتاب الكنى لابن عبد البر" وأطلعنى على صورة مكبرة منه كانت في مكتبته، وشجعنى على تحقيقه جزاه اللَّه عنى خير الجزاء، وبعد أن اطلعت على هذا الكتاب وتصفحت أوراقه وتعرفت على طبيعة مادته أقدمت على اختياره لرسالة الدكتوراه على الرغم من كبر حجمه وصعوبة قراءة بعض ألفاظه في كثير من أوراقه وذلك لعامل الرطوبة التى أثرت فيه مع طول الزمن، فاستعنت اللَّه ومضيت في العمل فيه، وأسأل اللَّه أن يجعل هذا العمل مما يرضيه ومما يقربنى إليه وهو حسبى ونعم الوكيل.