وسأقتصر هنا على ذكر أهم شيوخ الحافظ ابن عبد البر الذين أخذ عنهم وتأثر بهم مع ذكر مؤلفات من له مؤلفات منهم، وذكر ما رواه الحافظ ابن عبد البر أو أخذه أو استفاده من كل واحد منهم. ومن هؤلاء الشيوخ:
١ - أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن عبد المؤمن. تكرر ذكره كثيرًا في كتاب الكنى (١) وقد سمع الحافظ ابن عبد البر منه "سنن أبى داود" بروايته عن ابن داسة، وحدث ابن عبد البر أيضًا عن إسماعيل بن محمد الصّفار وحدثه أيضًا "بالناسخ والمنسوخ" لأبى داود عن أبى بكر النجار وناوله "مسند أحمد بن حنبل" بروايته عن القطيعى ومات سنة تسعين وثلاثمائة (٣٩٠) (٢).
٢ - محمد بن عبد الملك بن ضيفون الرصافى أبو عبد اللَّه، روى عن أبى سعيد ابن الأعرابى وغيره، روى عنه أبو عمر بن عبد البر "أحاديث الزعفرانى" بسماعه من ابن الأعرابى عنه، وقرأ عليه "تفسير محمد بن سنجر" في مجلدات (٣).
٣ - أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن حبرون، روى عن قاسم بن أصبغ البيانى فأكثر، روى عنه ابن عبد البر وأثنى عليه وقال: كان من الزم الناس
_________________
(١) انظره في مكانه في فهرس التراجم (الفهرس الرابع من فهارس الرسالة).
(٢) بغية الملتمس (ص ٣٣٢)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٣) انظر بغية الملتمس (ص ١٠٢)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
[ ١ / ٢٨ ]
لأبى محمد قاسم بن أصبغ ومن أشهر الناس بصحبته حتى يقال: إنه قلما فاته شيء مما قرئ عليه، سمع منه من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة إلى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (٣٣٨) وقال ابن عبد البر أيضًا: ورأيت كثيرًا من أصول قاسم بن أصبغ فرأيت سماعه في جميعها وحدث بعلم جمّ. وقال ابن عبد البر: قرأت "مصنف أبى محمد قاسم بن أصبغ في السنن" على عبد الوارث بن سفيان أخبرنا به قاسم. وقرأت عليه المعارف لأبى محمد بن قتيبة وسمعت عليه "شرح غريب الحديث" له. أخبرنا بهما عن قاسم بن أصبغ، عن عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة، وقرأ ابن عبد البر أيضًا على عبد الوارث بن سفيان "موطأ ابن وهب" بروايته عن قاسم بن أصبغ عن ابن وضاح عن سحنون (١). قلت: وقد تكرر ذكر عبد الوارث بن سفيان هذا في كتاب الكنى (٢).
٤ - سعيد بن نصر بن عمر بن خلفون أبو عثمان، يعرف بابن أبى الفتح، سمع قاسم بن أصبغ وآخرين، روى عنه ابن عبد البر وقال: كانت من أهل الدين والورع والفضل، معربًا فصيحًا. سمع سعيد بن نصر بقرطبة، ورحل إلى المشرق ودخل بغداد، فسمع من أبى على بن الصواف، وإسماعيل الصَّفارّ، وتوفى ببخارى يوم الأربعاء لاحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة خمسمين وثلاثمائة (٣٥٠) * سمع منه ابن عبد البر "الموطأ" و"أحاديث وكيع" يرويها عن قاسم بن أصبغ عن القصّار عنه، وسمع منه أيضًا كتاب "المشكل" لابن قتيبة، وقرأ عليه "مسند الحميدى" وأشياء (٣).
_________________
(١) انظر جذوة المقتبس (ص ٢٩٥ - ٢٩٦)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
(٢) انظره في مكانه في فهرس التراجم (الفهرس الرابع من هذه الرسالة). (*) هكذا ذكر في تاريخ وفاته والظاهر أن فيه خطأ وإلا لكانت وفاته قبل مولد ابن عبد البر بـ (١٨) سنة وهذا قطعًا خطأ.
(٣) انظر الصلة (١/ ٢٠٧)، بغية الملتمس (ص ٣١٣ - ٣١٤)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
[ ١ / ٢٩ ]
٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد أبو عمر، المعروف بابن الجسور، الأموى سمع أبا على الحسن بن سلمة بن سلمون، وأبا بكر أحمد بن الفضل بن العباس الدينورى قال ابن عبد البر: أخبرنا بالتاريخ المعروف "بذيل المذيل" أبو عمر أحمد بن محمد بن الجسور، عن أبى بكر أحمد ابن الفضل الدينورى، عن الطبرى (١)، وروى ابن عبد البر عنه أيضًا "المدونه" (٢).
وابن الجسور هذا هو أكبر شيخ لابن حزم (٣)، وكان مولده سنة عشرين وثلاثمائة (٣٢٠)، قيل: تسع عشرة وثلاثمائة (٣١٩)، وكانت وفاته في منزله بقرطبة في يوم الأربعاء أول ليلة الخميس لأربع بقين من ذى القعدة سنة إحدى واربعمائة (٤٠١) (٤).
٦ - خلف بن القاسم بن سهل، ويقال: ابن سهلول بن اسود أبو القاسم المعروف بابن الدّبّاغ، كان محدثًا مكثرا حافظًا محققًا، جمع "مسند حديث مالك بن أنس" و"مسند حديث شعبة بن الحجاج" وصنف كتابا في "الزهد" وجمع "أسماء المعروفين بالكنى من الصحابة والتابعين وسائر المحدثين" وكتاب "الخائفين" و"أقضية شريح" و"زهد بشر بن الحارث" وقرأ بالروايات على جماعة منهم أحمد بن صالح صاحب ابن مجاهد، وحدث عنه جماعة من الأندلسيين منهم أبو عمرو الدانى، وأبو عمر بن عبد البر وقد أكثر عنه الحافظ ابن عبد البر وسمع منه "تصنيف" عبد اللَّه بن الحكم، وكان ابن عبد البر لا يقدم على خلف أحدا
_________________
(١) بغية الملتمس (ص ١٥٤).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
(٣) شذرات الذهب (٣/ ١٦١).
(٤) بغية الملتمس (ص ١٥٥)، شذرات الذهب (٣/ ١٦١).
[ ١ / ٣٠ ]
من شيوخه حتى أنه قال: أما خلف بن القاسم بن سهل الحافظ فشيخنا وشيخ لشيوخنا أبى الوليد الفرضى، وغيره، كتب بالمشرق من نحو ثلاثمائة (٣٠٠) رجل، وكان من أعلم الناس برجال الحديث، واكتبهم له واجمعهم لذلك، وللتواريخ، والتفاسير، ولم يكن له بصر بالرأى.
وقد توفى خلف بن قاسم هذا في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (٣٦٣) (١) قلت: وقد تكرر ذكر خلف بن القاسم هذا في كتاب الكنى كثيرا (٢).
٧ - خلف بن سعيد بن أحمد بن محمد الأزدى، يعرف بابن المنفوخ من أهل قرطبة، سكن اشبيلية، وكان فقيها من فقهائها، يكنى أبا القاسم، روى عن أبى محمد الباجى وغيره، روى عنه ابن عبد البر واثنى عليه، والخولانى أيضا وقال: كان رجلا منقبضًا قديم الخير له رحلة إلى المشرق، وانصرف وتنسّك وتقشف، توفى بعد ثلاث واربعمائة (٤٠٣) (٣) قلت: وقد ورد ذكره في كتاب الكنى (٤).
٨ - الحسين بن عبد اللَّه بن يعقوب بن الحسين البجّانى، يكنى أبا على، روى عنه الخولانى، وقال: كان قديم الطلب، كثير السماع، من أهل العلم والتقدم في الفهم والسن، وعمر طويلا وقارب المائة (١٠٠) سنة، واحتيج إليه وتكرر عليه، ولد سنة ست وعشرين وثلاثمائة (٣٢٦)، وتوفى سنة إحدى وعشرين اربعمائة (٤٢١) (٥).
_________________
(١) بغية الملتمس (ص ٢٨٦ - ٢٨٩)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٢٥ - ١٠٢٦)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
(٢) انظره في مكانه في فهرس التراجم (الفهرس الرابع من فهارس الرسالة).
(٣) الصلة (١/ ١٦٥)، بغية الملتمس (ص ٢٨٤).
(٤) انظره في مكانه في فهرس التراجم (الفهرس الرابع من فهارس الرسالة).
(٥) جذوة المقتبس (ص ١٩٣)، الصلة (١/ ١٤١ - ١٤٢)، بغية الملتمس (ص ٢٦٦)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
[ ١ / ٣١ ]
٩ - عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن مسافر الهمذانى، الوهرانى، ويعرف بابن الخرّاز، من أهل الحديث والرواية. وكان رجلا صالحا منقبضا، رحل إلى العراق وغيرها، وسمع أحمد بن جعفر بن مالك بن حمدان القطيعى وغيره، روى عنه الإمامان الحافظان أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم وابن عبد البر، وهذا الأخير قرأ عليه "موطأ ابن القاسم" وكانت وفاة ابن الخرّاز هذا سنة احدى عشرة واربعمائة (٤١١) (١).
١٠ - أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن أبى عيسى المعافرى الطلمنكى، اصله منها سكن قرطبة، وروى عن علمائها، وسائر علماء بلاد الأندلس، ورحل إلى المشرق فأخذ عن علماء مكة والمدينة ومصر وغيرها. وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير، وكان أحد الأئمة في علم القرآن العظيم قراءته وإعرابه، وأحكامه وناسخه ومنسوخه ومعانيه وسمع كتبا حسانا كثيرة النفع، وكان له عناية كاملة بالحديث ونقله وروايته، وضبطه ومعرفة برجاله، وحملته، حافظا للسنن جامعا لها إماما فيها، عارفا بأصول الديانات مظهرًا للكرامات قديم الطلب للعلم مقدما في المعرفة والفهم على هدى وسنة واستقامة، وقصد طلمنكة بلده في آخر عمره فتوفى بها سنة تسع وعشرين واربعمائة (٤٢٩) روى عنه أبو محمد ابن حزم، وعبد اللَّه بن سهل الأندلسى، وابن عبد البر، وقرأ هذا الأخير عليه أشياء (٢).
١١ - الإِمام الحجة الحافظ عبد اللَّه بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدى بن الفرضى، من أهل قرطبة، يكنى أبا الوليد، وهو صاحب كتاب "تاريخ
_________________
(١) جذوة المقتبس (ص ٢٧٥)، الصلة (١/ ٣١٧ - ٣١٩).
(٢) الصلة (١/ ٤٤ - ٤٥)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٩٨ - ١١٠٠)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
[ ١ / ٣٢ ]
علماء الأندلس"، روى بقرطبة عن أكابر علمائها، ورحل إلى المشرق سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة (٣٨٢) وأخذ عن بعض علماء مكة، ومصر، والقيروان، ثم رجع إلى قرطبة وقد جمع علما كثيرًا في فنون العلم، فصنف كتاب "تاريخ علماء الأندلس" وجمع كتابا حافلا في "أخبار أشعار الأندلس" وكتابا حسنا في "المؤتلف والمختلف" وكتابا في "مشتبهه النسبة" حدث عنه ابن عبد البر وقال: كان فقيها عالما في جميع فنون العلم في الحديث، وعلم الرجال وله تآليف حسان، وكان صاحبى، ونظيرى أخذت معه عن أكثر شيوخه وأدرك من الشيوخ ما لم أدركه أنا، كان بينى وبينه في السنن نحو من خمس عشرة سنة (١٥)، صحبته قديما وحديثا وكان حسن الصحبة والمعاشرة، حسن اللقاء، قتلته البربر سنة الفتنة، وبقى في داره ثلاثة أيام مقتولًا وحضرت جنازته عفا اللَّه عنه. أهـ. كانت وفاة ابن الفرضى يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة ثلاث واربعمائة (٤٠٣) وقرأ عليه ابن عبد البر "مسند مالك" (١).
١٢ - أحمد بن عبد الملك بن هاشم الاشبيلى، المعروف بابن المكوى، يكنى أبا عمر، كبير المفتين بقرطبة، كان حافظا للفقه، مقدما فيه على جميع أهل عصره، عارفا بالفتوى على مذهب مالك وأصحابه، وكان بصيرا بأقوالهم، واتفاقهم، واختلافهم من أهل المتانة في دينه والصلابة في رأيه، دعى إلى القضاء بقرطبة مرتين فأبى من ذلك واعتذر، واستعفى عنه، ولم يجب إليه البتة، جمع كتاب "الاستيعاب" في رأى مالك من مائة جزء، روى عنه ابن عبد البر، وكان مولده سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (٣٢٤) ومات فجأة
_________________
(١) الصلة (١/ ٢٥١ - ٢٥٥)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٦ - ١٠٧٩)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
[ ١ / ٣٣ ]
ليلة السبت ودفن يوم السبت لصلاة العصر خلون من جمادى الأول من سنة إحدى واربعمائة (٤٠١) (١).
١٣ - أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن محمد التميمى التاهرتى البزاز يكنى أبا الفضل، قدم قرطبة صغيرا، وروى بها عن قاسم بن أصبغ، وغيره من علماء قرطبة قال الخولانى: كان شيخا صالحا زاهدا في الدنيا منقبضًا عن الناس مائلا إلى الخمول، كان مولده يوم الثلاثاء عند انصداع الفجر في أول ربيع الأول سنة تسع وثلاثمائة (٣٠٩)، وكانت ولادته بتاهرت، وأتى مع أبيه إلى قرطبة وهو ابن ثمان سنين (٨)، وكان أبوه محدثا قال أبو الفضل: بدأت بطلب العلم وأنا ابن خمس وعشرين سنة. وكانت وفاته ﵀ في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (٣٩٥) (٢).
١٤ - عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الجهنى الطليطلى، يكنى أبا محمد، سكن قرطبة، وسمع بها من قاسم بن أصبغ وغيره، ورحل إلى الشرق سنة اثنتين واربعين وثلاثمائة (٣٤٢) فسمع من بعض علماء مكة، والشام، ومصر، وكان شيخًا فاضلًا، رفيع القدر عالى الذكر، عالما بالأدب، واللغة، ومعانى الأشعار، ذاكرا للاخبار والحكايات، وقورا، ضابطًا لكتبه، ورواياته، وكان لا يعير كتابا الا لمن يتيقن أمانته ودينه، حفظًا للرواية، وحدث عنه من كبار العلماء أبو الوليد بن الفرضى وابن عبد البر وغيرهما كثير، ولد سنة عشر وثلاثمائة (٣١٠)، وتوفى يوم الاثنين لسبع بقين من ذى الحجة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (٣٩٥) (٣).
_________________
(١) الصلة (١/ ٢٢ - ٢٣)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
(٢) الصلة (١/ ٨٤)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
(٣) الصلة (١/ ٢٤٥ - ٢٤٧)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣/ ٣٦٠).
[ ١ / ٣٤ ]
١٥ - محمد بن رشيق المكتبّ يعرف (بالسّرّاج)، يكنى أبا عبد اللَّه، من أهل قرطبة، رحل فكتب بمصر، عن الحسن بن رشيق، والكندى، وأبى عبد اللَّه الحاكم وجماعة، روى عنه ابن عبد البر وأثنى عليه وقال: كان ثقة فاضلا من أحسن الناس قراءة للقرآن، وأطيبهم صوتا (١).
هذا ذكر بعض شيوخ الحافظ ابن عبد البر الذين جالسهم وسمع منهم وتأثر بهم من علماء الأندلس وله غير هؤلاء كثير، ولم يقتصر الحافظ ابن عبد البر على الأخذ عن علماء الأندلس بل أخذ عن علماء المشرق أيضًا فقد كتب إليه وأجاز له من مصر أبو الفتح إبراهيم بن على بن سيبخت صاحب البغوى والحافظ عبد الغنى بن سعيد، وأجاز له من الحرم أبو الفتح عبيد اللَّه السقطى وغيرهم كأحمد بن نصر الداودى وأبى ذر الهروى، وأبى محمد بن النحاس وآخرين غيرهم.