ونظرا لاختلاف طبيعة مادة الكتاب الأول واختلاف طبيعة تراجمه عن الكتابين الآخرين فإننى سأذكر منهج الحافظ ابن عبد البر فيه مستقلا عن الكتابين الآخرين اللهم إلا في بعض القضايا المشتركة بين هذه الكتب الثلاثة كالأحاديث والآثار مثلا.
[ ١ / ٥٧ ]
والكتاب الأول: اختصره الحافظ ابن عبد البر من كتابه "الاستيعاب في معرفة الصحابة" وذكر فيه من الصحابة ﵃ أجمعين من عرف منهم بكنيته واشتهر بها ولم يوقف على اسمه على الاختلاف فيه، وكان كثيرا ما يحيل في هذا الكتاب على الاستيعاب، لأنه قصد من تأليفه له ذكر الكنى مع اختصار بعض الأخبار والوقائع في حياة الصحابى المذكور فيه، وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في هذا الكتاب أهم الوقائع في حياة صاحب الترجمة فيذكر له مثلا حديثا أو حديثين أو حادثة هامة في حياته كأن يذكر مثلا إسلامه، وهجرته، وغزواته واستشهاده أو وفاته، أو يذكر وفادته ولقاءه للنبى -ﷺ- أو ما اختصه به النبى -ﷺ- من عطاء أو دعاء أو تبريك أو زيارة أو إذا كان النبى -ﷺ- سماه أو كناه أو غير اسمه أو كنيته فإنه يذكر ذلك أيضًا.
ومِمَّا يجدر ذكره هنا هو أن الحافظ ابن عبد البر لم يقتصر في هذا الكتاب على ذكر من صحّت صحبته من الصحابة ﵃ ولكنه ضمنه أيضا ذكر من لقى النبى -ﷺ- ولو لقية واحدة مؤمنا به أو رآه رؤية أو سمع منه لفظة فأداها عنه، ومن ولد على عهده بين أبوين مسلمين فدعا له، أو نظر إليه وبرك عليه، ونحو هذا، ومن كان مؤمنا به قد أدى الصدقة إليه ولم يفد عليه، مما تضمنه شرطه في الصحابة في كتابه الاستيعاب.
وأن المطلع على هذا الكتاب ليجد بعض التابعين الذين جزم الحافظ ابن عبد البر فيه بأنهم تابعيون، وذكرهم في الصحابة، ثم ذكرهم ثانية في التابعين في الكتابين الثانى والثالث، وقد نبهت على هذا في أماكنه في المواضع المختلفة أثناء التحقيق.
وأما بالنسبة للتراجم في الكتابين الثانى والثالث، فقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في الأول منهما أسماء المعروفين بالكنى من حملة العلم ومبلغيه ورواته وناقليه ممن أشتهر بكنيته ولم يذكر في أكثر أسانيد الأحاديث باسمه ممن لم يصحب النبى -ﷺ-
[ ١ / ٥٨ ]
ولم يره ولا كان مسلما في حياته من التابعين ومن بعدهم، وذكر في الكتاب الثالث من لم يذكر له اسم سوى كنيته ممن روى الحديث وحمله وعد من نقلته من التابعين ومن بعدهم من الخالفين، وقد أشار الحافظ ابن عبد البر في خطبة الكتاب الثانى إلى مقصوده من تأليف هذا الكتاب فقال: ورأيت كل من ألف في رجال العلم كتابا ذكر فيه أبوابا على حسب ما حضره حفظه ولم أر فيه كتابا موعبًا لأن من قصد إلى ذكر الجرحة والعدالة لم يتضمن الأسماء والكنى، ومن اعتمد ذكر الكنى والأسماء ذكر كنى المشهورين بأسمائهم مع كنى المشهورين بكناهم وأتى بأسماء من وقف على اسمه منهم ومن لم يوقف على اسمه فخلط على الطالب واتعب الناظر المرتاد، ولم يسلم مع ذلك من التقصير لأنه عدد لا يحصى ولا له حد ولا انتهاء.
ويتبين من هذا أن الحافظ ابن عبد البر قصد في هذا الكتاب ذكر من أشتهر من العلماء بكنيته ثم لم يقتصر فيه على ذكر الأسماء والكنى ولكنه تناول أيضا ذكر الجرح والعدالة، وهذا ما يلاحظه كل مطلع على الكتابين الثانى والثالث، وأما عن طبيعة التراجم في هذين الكتابين فالملاحظ أن الحافظ ابن عبد البر قد يذكر بعض التراجم مطولة وخاصة في الكتاب الثانى فقد تستغرق الترجمة فيه لوحة كاملة أو نصف لوحة، وأحيانا أسطر وقد تستغرق سطرًا واحدًا وهذا قليل جدًا وذلك بحسب طبيعة الترجمة وما فيها من أقوال أو اختلافات، فهو يذكر الترجمة، ويذكر ما للعلماء في هذه الترجمة من أقوال فيما يتعلق بالجرح والعدالة، ويذكر أيضا أهم الحوادث البارزة في حياة صاحب هذه الترجمة وذلك لبيان منزلته، ومعرفة حاله، ثم هو يهتم كثيرًا بذكر الشيوخ والتلاميذ لصاحب هذه الترجمة فيذكر عددا من شيوخه وعددا من تلاميذه وبذلك تعرف طبقات الرواة وأزمانهم، وهو بالمقابل لا يهتم كثيرا بذكر زمن الوفاة اللهم إلا إذا كان صاحب الترجمة قد استشهد في معركة معينة أو بحادثة معينة.
[ ١ / ٥٩ ]
هذا بالإضافة إلى أنه يذكر أحيانا حديثا أو أثرا لصاحب الترجمة "الكنية" لكن ذكره لهذه الأحاديث والآثار غالبا ما يسوده شئ من الغموض فهو يشير إلى الحديث أو الأثر اشارة خفيفة وذلك كأن يذكر الموضوع العام للحديث فيقول مثلا له حديث في الأشربة، وله حديث في الصيام، له حديث في التنزل، له حديث في أعلام النبوة، أو يذكر لفظة واحدة من ألفاظ الحديث، أو بعض الألفاظ، أو يقول مثلا حديثه عند فلان ويسمى أحد الرواة لهذا الحديث وهكذا. انظر على سبيل المثال الكنى التالية "٩٩٢، ١٧٠٥، ١٧٣٠، ١٧٤٠، ١٧٦٠، ١٧٦٧، ١٧٩٨، ١٨٠٦".
وقد استفاد الحافظ ابن عبد البر كثيرًا ممن سبقه في هذا الشأن في سرد التراجم وإيرادها لذلك نراه يعزو كثيرًا من هذه التراجم إلى البخارى، ومسلم، وابن معين، وأحمد، وابن أبى حاتم، والحاكم، وغيرهم.
أكثر من هذا أيضا فهو يأخذ عمن سبقه أحيانا ولا يعزو إليهم فأحيانا تكون الترجمة عنده كما هى عند ابن أبى حاتم مثلا أو عند الحاكم ولم يعزها إلى واحد منهما انظر على سبيل المثال الترجمة (١٧٦٦) ذكرها ابن أبى حاتم وقال فيها "روى عن. . " ثم ترك فراغًا ولم يسم أحدا من شيوخ صاحب هذه الترجمة، ثم ذكر من روى عنه من التلاميذ، وتبعه ابن عبد البر فذكر هذه الترجمة كما ذكرها ولم يعزها إليه، وقد تكرر مثل هذا من الحافظ ابن عبد البر وقد نبهت عليه في الأماكن المختلفة أثناء التحقيق. وانظر أيضا التراجم ١٣٣٤، ١٥٠٧، ١٥٢٤، ٢١٠٦، ٢٣١٢، ٢٥٠٩.
بيد أننا لا نستطيع القول بأن الحافظ ابن عبد البر وهو فارس في هذا الميدان، مصنف مشهور بشتى علوم الحديث وضروبه كان عالة على غيره في هذا المجال فهو وإن استفاد ممن سبقة إلا أن له شخصيته المستقلة وأسلوبه المميز، لذا نجده يزيد أحيانًا زيادة في التراجم "الكنى" ويضمن هذه الكنى فوائد جليلة وأحيانا
[ ١ / ٦٠ ]
ينفرد بترجيحات وآراء نافعة مفيدة. وأحيانا يخالف أقوال من سبقه بما يترجح عنده من أدلة، وكان كثيرا ما يقول إذا أراد أن ينفرد برأى أو يرجح مسألة أو يذكر فائدة أو ريادة: "قال أبو عمر": وانظر على سبيل المثال الكنى التالية: ٧٧، ١٢٦، ١٣٠، ٣٥٤، ٣٩١، ٤٠٩، ٤٣٠، ٥٣٨، ٦٦٥، ٧٣٠، ٨٥٧، ٩٣٩، ٩٩٢، ١١٤٢، ١١٩٤، ١٢٢٩، ١٣٠٣، ١٨٦٣، ٢٠٢٦، ٢٢٥٧ وغيرها كثير مما ستلاحظه في هذا الكتاب.
هكذا كان منهج ابن عبد البر في هذين الكتابين الثانى والثالث في ذكر التراجم غير أن تراجم الكتاب الثالث مختصرة في أغلب الأحيان وخاصة من ناحية ذكر الشيوخ والتلاميذ، ولعل السبب في هذا هو أن أكثر أصحاب هذه التراجم مجاهيل وقد قال ابن عبد البر: كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد لا يعرف إلا بذلك فهو مجهول عندهم لا تقوم به حجة أكثر هؤلاء الذين لا يعرفون إلا بكناهم كذلك. أهـ. واللَّه أعلم.