والحافظ ابن عبد البر لم يقتصر في هذا الكتاب على ذكر الكنى والأسماء كما سبق وأن عرفت، وإنما أهتم أيضا اهتمامًا كبيرًا بذكر الجرح والعدالة في الرجال وذكر الأحاديث والآثار وتعرض أيضا لدراسة بعض هذه الأحاديث والحكم عليها فهو يصحح ويضعف ويعدل ويجرح، وأصبحت أقواله في هذا الشأن معتمدة عند الحفاظ والنقاد، فتناقلها الكثيرون منهم في كتبهم واعتمدوها في حكمهم (١) وان هذه المسألة مع أهميتها لا تحتاج إلى كبير تدليل وتوضيح. وذلك لأن المطلع على أية
_________________
(١) انظر المبحث الثانى من الباب الثانى حيث ذكرت هناك بعض أرقام الكنى التى ذكرت في تحقيقها بعض الأراء والأحكام التى قالها الحافظ ابن عبد البر ونقلها عنه كبار الأئمة والحفاظ.
[ ١ / ٦١ ]
ورقة من ورقات هذا الكتاب ليرى ويعرف مدى اهتمام ابن عبد البر في هذا الجانب وبالتالى يدرك أيضا أسلوبه في هذا المجال، ومع هذا فإننى سأذكر هنا بعض النقاط حول منهج الحافظ ابن عبد البر في نقد الرجال والأحاديث وتتلخص هذه النقاط بما يلى:
١ - مما لا شك فيه أن الحافظ ابن عبد البر استفاد كثيرًا ممن سبقه في علم الجرح والتعديل فأصبح بذلك عنده حصيلة علمية كبيرة وملكة حسنة في هذا الشأن تمكنانه من التعديل والتجرج والتصحيح والتضعيف والنقد والتمحيص.
٢ - أنه من الملاحظ أيضا أن الحافظ ابن عبد البر يذكر أقوال العلماء في الرجال من تعديل أو تجريح فيذكر من عدل الرجل ومن جرحه وأحيانا يرجح بعض هذه الأقوال على بعض أو يوجهها، وهذا مثله كثير جدا في هذا الكتاب.
٣ - وأحيانا لا يذكر أقوال العلماء في الرجل وإنما يستقرئ أقوالهم فيه، ثم يستخلص من هذه الأقوال حكما مختصرا فيطلقه على الرجل بناء على أقوالهم فيه وحكمهم عليه كان يقول مثلا: أجمعوا على أنه ثقة أو هو عندهم ثقة، أو هو ثقة عند جميعهم، أو أجمعوا على ضعفه أو لا أعلمهم يختلفون في ضعفه، أو كلهم ضعفه، أو هو عندهم منكر الحديث ضعيف جدا، أو ليس هو عندهم بالقوى، أو هو عندهم متروك أو ليس بالمتين وما شابه ذلك، وهذا كثير جدًا أيضا في هذين الكتابين وانظر على سبيل المثال التراجم "٥٩٣، ٦١٥، ٦٣٥، ٦٤١، ٦٦٥، ٦٩٠، ٧٧٦، ١٢٤١، ١٣٠٣".
٤ - كان كثيرًا ما يذكر الحكم على بعض التراجم "الكنى" دونما ذكر لقول أحد من العلماء الأقدمين فكان يقول مثلا مجهول، ضعيف، ثقة، لا بأس به، وغير ذلك من ألفاظ، انظر على سبيل المثال التراجم (٢٠٢، ٢٥٠، ٣٨٧، ٤٦٣، ٤٧٢، ٤٨٧، ٥٣٦، ٥٩٠، ٦٠١، ٦٠٣، ٦٤٥، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٢٠٥٥، ٢١٧٧، ٢٤٣٧، ٢٥٠٤).
[ ١ / ٦٢ ]
٥ - ومنهجه في نقد الأحاديث شبيه أيضا بمنهجه في الرجال فهو يذكر أحيانا خلاصة أقوال العلماء في الأحاديث فيقول مثلا: قيل: حديثه مرسل، أو هو عندهم حديث مرسل، أو حديث متروك، أو هو عندهم حديث لم يتابع عليه منكر. انظر التراجم (٣١٤، ٤٣٨، ٤٤٦، ٥٥٦، ٢٣٩٢).
٦ - كثيرًا ما كان يذكر الحكم على الأحاديث ابتداء دون ذكر لقول أحد من المتقدمين فيقول مثلا: حديث متروك، حديث مرسل، حديث منقطع، حديث ليس بالقائم، حديث لا يعرف له أصل في الإسناد، حديث منكر، حديث ليس مما يعتمد عليه لضعفه، أو هذا إسناد مقلوب مضطرب، انظر التراجم (٩٩٢، ١٠٥٢، ١٨٠٠، ٢٠٢٧، ٢٠٣٣، ٢٠٤٦، ٢٠٥٤، ٢٠٥٦، ٢١٧٧).
هذا ما أردت أن أذكره حول منهج الحافظ ابن عبد البر في هذا الكتاب، وان المطلع على هذا الكتاب ليجد كثيرًا من الملاحظات الأخرى التى كنت قد نبهت عليها في الأماكن المختلفة أثناء التحقيق. واللَّه ولى التوفيق.
[ ١ / ٦٣ ]