لم يختلف أهل العلم بالأنساب والأخبار وسائر العلماء بالأمصار أنه ﵌ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا ما لم يختلف فيه أحد من الناس، وقد روي من أخبار الآحاد عن النبي ﵌ أنه نسب نفسه كذلك
_________________
(١) في ى: من الرواة.
[ ١ / ٢٥ ]
إلى نزار بن معد بن عدنان، وما ذكرنا من إجماع أهل السير وأهل العلم بالأثر يغنى عما سواه. واختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم ﵉، وفيما بين إبراهيم وسام بن نوح بما لم أر لذكره هاهنا وجها، [لكثرة الاضطراب فيه، وأنه لا يوقف منه على شيء متتابع متفق عليه، وهم مع اختلافهم واضطرابهم مجمعون]، (^١) على أن نزارا بأسرها، وهي ربيعة ومضر هي (^٢) الصريح الصحيح من ولد إسماعيل على ما ذكرنا في (كتاب القبائل من الرواة) عنه ﷺ، وهناك ذكرنا أصح ما قيل في نسبه إلى آدم ﵌ وقال أبو الأسود محمد ابن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير: قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما ننتسب إلى معد، وما بعد معد لا ندري ما هو. وقال ابن جريج عن القاسم ابن أبى بزة، عن عكرمة: أضلت نزار نسبها (^٣) من عدنان وقال خليفة بن خياط عن ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس: بين معد بن عدنان إلى إسماعيل ثلاثون أبا. وليس هذا الإسناد مما يقطع بصحته، ولكنه عمن علم الأنساب صنعته (^٤).
فأما عشيرته ﵌ ورهطه وبطنه الذي يتميز به من سائر بطون قريش وهاشم
فقد ذكرنا (^٥) بالأسانيد الحسان والطرق الصحاح قوله ﵌: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا
_________________
(١) من أ، س، م
(٢) في ى: أن نزارا بأسرها في إياد وربيعة ومضر وهي. وهذه رواية أ، س وإنباه الرواة
(٣) في ى: أصلت نزار بنسبها. والصواب من أ، والإنباه.
(٤) في ى: ولكن عن علم الأنساب صنعة، والصواب من أ، س.
(٥) صفحة ٦٥، من الكتاب المشار إليه.
[ ١ / ٢٦ ]
من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. وقد ذكرنا في (كتاب الإنباه على القبائل الرواة) عن النبي ﵌، وهو مضاف إلى هذا الكتاب، والحمد لله. واسم هاشم عمرو، وإنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه فيما زعموا، واسم قصي زيد، هذا هو الأكثر. وقد قيل يزيد، وإنما قيل له قصى، لأنه تقصى مع أمه وهي فاطمة بنت سعد من بنى عذرة، ونشأ مع أخواله من كلب في باديتهم، وبعد في مغيبه ذلك عن مكة: فسمى بذلك قصيا والله أعلم. وكان يدعى مجمعا، لأنه جمع قبائل قريش بمكة في حين انصرافه إليها، وقد ذكرنا ذلك في صدر كتاب (القبائل). وقد قيل اسم عبد مناف المغيرة، ويكنى أبا عبد شمس. وأما عبد المطلب فقيل اسمه عامر، ولا يصح والله أعلم. وقيل: [اسمه شيبة، وقيل] (^١) بل اسمه عبد المطلب. وكان يقال له شيبة الحمد لشيبة كانت في ذؤابته ظاهرة.
ومن قال اسمه شيبة قال: إنما قيل له عبد المطلب، لأن أباه هاشما قال لأخيه المطلب، وهو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك [المطلب] (^٢) بيثرب، فمن هناك سمى عبد المطلب، ولا يختلفون أنه يكنى أبا الحارث، بابنه الحارث، وكان أكبر ولده. وأمه سلمى بنت زيد، وقبل بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار، ويقال: إنه أول من خضب بالسواد.
أخبرنا خلف بن قاسم، قال: أخبرنا أبو الحسن على بن محمد بن إسماعيل الطوسي، قال: أخبرنا أبو العباس محمد [ابن إسحاق] (^٢) ابن إبراهيم السراج، قال: أخبرنا عبيد الله بن سعد الزهري، قال أخبرنا أحمد بن محمد بن حنبل،
_________________
(١) من أ، س، م
(٢) من أ، س، م، واللباب.
[ ١ / ٢٧ ]
قال: سمعت الشافعي يقول: اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم. وهاشم اسمه عمرو بن عبد مناف، وعبد مناف اسمه المغيرة بن قصى وقصي اسمه زيد ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. قال: وسمعت الشافعي يقول:
أبو طالب اسمه عبد مناف بن عبد المطلب.
قال أبو عمر: أم رسول الله ﵌ آمنة بنت وهب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، قرشية زهرية، تزوجها عبد الله ابن عبد المطلب، وهو ابن ثلاثين سنة، وقيل: بل كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، خرج به أبوه عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته. وقيل: كانت آمنة في حجر عمها وهيب بن عبد مناف بن زهرة، فأتاه عبد المطلب، فخطب إليه ابنته هالة بنت وهيب لنفسه، وخطب على ابنه عبد الله آمنة بنت وهب، فزوجه وزوج ابنه في مجلس واحد، فولدت آمنة لعبد الله رسول الله ﵌، وولدت هالة لعبد المطلب حمزة، فأرضعت رسول الله ﵌ وحمزة ثويبة جارية أبى لهب، وأرضعت معهما أبا سلمة الأسدي،
فكان رسول الله صلى الله عليه آله وسلم يكرم ثويبة، وكانت تدخل على رسول الله ﵌ بعد أن تزوج خديجة، وكانت خديجة تكرمها، وأعتقها أبو لهب بعد ما هاجر رسول الله ﵌ إلى المدينة، فكان رسول الله ﵌ يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر، فبلغت وفاتها النبي ﵌، فسأل عن ابنها مسروح وبلبنه أرضعته، فقيل له: قد مات، فسأل عن قرابتها فقيل له:
لم يبق منهم أحد.
[ ١ / ٢٨ ]
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا على بن مسهر عن ابن أبى عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ أريد على ابنة حمزة فقال: إنها ابنه أخى من الرضاعة، وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن بن عباس قال: قيل للنبي ﵌: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: إنها ابنة أخى من الرضاعة.
حدثنا أحمد بن قاسم [بن عبد الرحمن (^١)] وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا الحارث بن أبى أسامة قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن عراك بن مالك:
أن زينب بنت أبى سلمة أخبرته أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله، إنا قد حدثنا أنك ناكح درة (^٢) بنت أبى سلمة؟ فقال رسول الله ﵌: أعلى أم سلمة؟ لو أنى لم أنكح أم سلمة لم تحل لي. إن أباها أخى من الرضاعة. ثم استرضع له ﵌ في بنى سعد بن بكر، حليمة بنت أبى ذؤيب السعدية، وردته ظئره حليمة إلى أمه آمنة بنت وهب بعد خمس سنين ويومين من مولده، وذلك سنة ست من عام الفيل،
_________________
(١) الزيادة من أ، م.
(٢) هذا هو اسمها الأول، وقد سماها النبي زينب وفي ى: برة.
[ ١ / ٢٩ ]
فأخرجته آمنة إلى أخوال أبيه بنى النجار تزورهم به بعد سبع سنين من عام الفيل، ووفيت أمه آمنة بعد ذلك بشهر بالأبواء ومعها النبي ﵌، فقدمت به أم أيمن مكة بعد موت أمه بخمسة أيام، وسنذكر خبر حليمة وخير أم أيمن من بابهما في كتاب النساء في كتابنا هذا أن شاء الله تعالى.
وقال الزبير: حملت به امه ﵌ في أيام التشريق في شعب أبى طالب عند الجمرة الوسطى، وولد ﵌ بمكة في الدار التي كانت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، وذلك يوم الاثنين [لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وقيل: بل ولد يوم الاثنين] (^١) في ربيع الأول لليلتين خلتا منه. قال أبو عمر: وقد قيل لثمان خلون منه.
وقيل. إنه ولد أول اثنين (^٢) من ربيع الأول، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه عام الفيل، إذ ساقه الحبشة إلى مكة في جيشهم يغزون البيت، فردهم الله عنه، وأرسل عليهم طيرا أبابيل [فأهلكتهم] (^٣).
وقيل إنه ولد في شعب بني هاشم، ولا خلاف أنه ولد عام الفيل:
يروى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ولد رسول الله ﵌ يوم الفيل. وهذا يحتمل أن يكون أراد اليوم الذي حبس الله الفيل فيه عن وطء البيت الحرام، وأهلك الذين جاؤوا به. ويحتمل أن يكون أراد بقوله يوم الفيل عام الفيل. وقيل: ولد رسول الله ﵌ بعد قدوم الفيل بشهر. وقيل: بأربعين يوما. وقيل بخمسين.
_________________
(١) الزيادة من أ، س، م.
(٢) في ى: أول يوم.
(٣) الزيادة من أ، م.
[ ١ / ٣٠ ]
يوما. فأما الخوارزمي محمد بن موسى فقال: كان قدوم الفيل مكة وأصحابه لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم. وقد قال ذلك غير الخوارزمي أيضا، وزاد يوم الأحد قال: وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة.
قال الخوارزمي وولد رسول الله ﵌ بعد ذلك بخمسين يوما، يوم الاثنين لثمان خلت من ربيع الأول، وذلك يوم عشرين من نيسان. قال: وبعث نبيا يوم الإثنين لثمان أيضا من ربيع الأول، وذلك سنة إحدى وأربعين عام الفيل، فكان من مولده ﵌ إلى أن بعثه الله تعالى أربعون سنة ويوم، ومن مبعثه إلى أول المحرم من السنة التي هاجر فيها اثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرون يوما، وذلك ثلاث وخمسون سنة تامة من أول عام الفيل.
أخبرنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي (^١) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حنش (^٢) عن عكرمة عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﵌ يوم الاثنين، وحرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وكانت بدر يوم الاثنين ﵌ وشرف وكرم.
قال أبو عمر ﵁: الأكثر على أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة صبيحة سبع شرة من شهر رمضان، وما رأيت أحدا ذكر أنها كانت يوم الاثنين
_________________
(١) في س: الغيرياني، وفي ١: الغير بادى، وكلاهما تحريف (انظر اللباب).
(٢) قال في الخلاصة: الحسين بن قيس الرحيبى أبو على لقبه حنش (هامش ى).
[ ١ / ٣١ ]
إلا في هذا الخبر من رواية ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش، ولا حجة في مثل هذا الإسناد عند جميعهم، إذا خالفه من هو أكثر منه.
قال الخوارزمي: وقدم رسول الله ﵌ المدينة مهاجرا يوم الاثنين، وهو اليوم الثامن من ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل، وهي سنة إحدى من الهجرة، يوم عشرين من أيلول؛ فكان مبعثه ﵌ إلى يوم هاجر ودخل المدينة ثلاث عشرة سنة كاملة، ومكث بالمدينة عشر سنين وشهرين إلى أن مات، وذلك يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول سنة أربع وستين من عام الفيل، ومن الهجرة سنة إحدى عشرة، وهذا كله قول الخوارزمي، وهذا الذي قال هو معنى قول ابن عباس، إن رسول الله ﵌ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، يعنى بعد المبعث، وبالمدينة عشر سنين، ويشهد بصحة ذلك قول أبى قيس صرمة بن قيس الأنصاري:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوى … وأصبح مسرورا بطيبة (^١) راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم … بعيد، ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتآسيا (^٢)
_________________
(١) طيبة: المدينة
(٢) في ى: والبآسيا، وهو تحريف، صوابه من أ، س.
[ ١ / ٣٢ ]
نعادي الذي عادى من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المواتيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره … وإن كتاب الله أصبح هاديا
وروينا هذه الأبيات من طرق عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذا أكمل الروايات فيها.
حدثنا أحمد بن عبد الله (^١) بن محمد بن على، قال: حدثنا أبى، قال حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا قاسم بن محمد إملاء، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال سمعت عمرو بن دينار، قال: قلت لعروة بن الزبير: كم لبث النبي ﵌ بمكة؟ قال: عشر سنين.
فقلت: إن ابن عباس يقول: لبث بمكة بضع عشرة سنة. فقال: إنما أخذه من قول الشاعر.
قال سفيان بن عيينة: وأخبرنا يحيى بن سعيد قال: سمعت عجوزا من الأنصار يقول: رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
فذكر الأبيات كما ذكرتها سواء إلى آخرها.
قال أبو عمر: ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب وأمه حامل به. وقيل:
بل توفى أبوه بالمدينة والنبي ﵌ ابن ثمانية وعشرين شهرا،
_________________
(١) في أ: أحمد بن محمد بن على.
[ ١ / ٣٣ ]
وقبره بالمدينة في دار من دور بني عدي بن النجار، وكان خرج إلى المدينة يمتار تمرا. وقيل: بل خرج به إلى أخواله زائرا وهو ابن سبعة أشهر.
وقيل: بل توفى أبوه وهو ابن شهرين، فكفله جده عبد المطلب. وفي خبر سيف بن ذي يزن: مات أبوه وأمه فكفله جده وعمه. وقد قيل: إن عبد الله ابن عبد المطلب توفى والنبي ﵌ ابن ثمانية وعشرين شهرا.
وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله يمتار له تمرا من يثرب، فمات بها، وكانت وفاته وهو شاب عند أخواله بنى النجار بالمدينة، ولم يكن له ولد غير رسول الله ﷺ، وتوفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وهو ابن ست سنين.
وقيل: ابن سبع سنين. وقال محمد بن حبيب [في كتاب المحبر (^١)]: توفيت أمه ﷺ، وهو ابن ثمان سنين. فال: وتوفى جده عبد المطلب بعد ذلك بسنة وأحد عشر شهرا، سنة تسع من أول عام الفيل.
وقيل: إنه توفى جده عبد المطلب، وهو ابن ثمان سنين. وقيل: بل توفى جده وهو ابن ثلاث سنين، فأوصى به إلى أبى طالب فصار في حجر عمه أبي طالب حتى بلغ خمس عشرة سنة، وكان أبو طالب يحبه، ثم انفرد بنفسه، وكان مائلا إلى عمه أبي طالب لو جاهته في بني هاشم وسنه، وكان مع ذلك شقيق أبيه، وخرج النبي ﷺ مع عمه في تجارة إلى الشام سنة ثلاث عشرة من عام الفيل، فرآه بحيرا الراهب، فقال: احتفظوا به فإنه نبي.
_________________
(١) من أ، س، م.
[ ١ / ٣٤ ]
وشهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار سنة إحدى وعشرين، وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد، فرآه نسطور الراهب وقد أظلته غمامة فقال:
هذا نبي، وذلك سنة خمس وعشرين. وتزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما، في عقب صفر سنة ست وعشرين، وذلك بعد خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام من يوم الفيل،
وقال الزهري: كانت سن رسول الله ﷺ يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة.
وقال أبو بكر بن عثمان وغيره: كان يومئذ ابن ثلاثين سنة. قالوا:
وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة، ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة.
وشهد رسول الله ﷺ بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمه في وضع الحجر بعد ذلك بعشر سنين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين.
قال أبو عمر ﵁: لو صح هذا لكانت سن خديجة يوم تزوجها خمسا وأربعين سنة. وقال محمد بن جبير بن مطعم: بنيت الكعبة على رأس خمس وعشرين سنة من عام الفيل. وقيل: بل كان بين بنيان الكعبة وبين مبعث النبي ﷺ خمس سنين، ثم نباه الله تعالى وهو ابن أربعين سنة، وكان أول يوم أوحى الله تعالى إليه فيه يوم الاثنين، فأسر رسول الله ﵌ أمره ثلاث سنين أو نحوها، ثم أمره الله تعالى بإظهار دينه والدعاء إليه، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه. وقال الشعبى: أخبرت أن إسرافيل تراءى له ثلاث سنين.
[ ١ / ٣٥ ]
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبى هند عن الشعبي، قال: بعث رسول الله ﵌ لأربعين، ووكل به إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، ثم وكل به جبرائيل ﵇.
قال: وأخبرنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا هشيم (^١)، قال حدثنا داود ابن أبي هند عن الشعبي، قال: نبئ النبي ﵌ فذكر مثله.
قال: ثم بعث إليه جبريل ﵇ بالرسالة.
قال: وأخبرنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا ابن أبى عدي عن داود بن أبى هند عن عامر الشعبي، قال: نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة.
وقيل: كان مبعثه ﷺ وهو ابن أربعين سنة وشهرين وعشرة أيام. وقيل: بل كان مبعثه ﵌ لتمام أربعين سنة من مولده يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة أربعين، وممن قال: إنه ﵇ نبي وهو ابن أربعين سنة عبد الله بن عباس، ومحمد بن جبير بن مطعم، وقباث بن أشيم، وعطاء، وسعيد
_________________
(١) في ى: هاشم. والمثبت من أ، س، م.
[ ١ / ٣٦ ]
ابن المسيب، وأنس بن مالك، وهو الصحيح عند أهل السير وأهل العلم بالأثر، فلما دعا قومه إلى دين الله نابذوه، فأجاره عمه أبو طالب، ومنع منه قريشا؛ لأنهم أرادوا قتله لما دعاهم إليه من ترك ما كانوا عليه هم وآباؤهم، ومفارقته لهم في دينه، وتسفيه أحلامهم في عبادة أصنام لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر (^١) ولا تنفع، فلم يزل في جوار عمه أبي طالب إلى أن توفي أبو طالب، وذلك في النصف من شوال في السنة الثامنة. وقيل: العاشرة من مبعث النبي ﵌، وحصرت قريش النبي ﵌ وأهل بيته بنى هاشم ومعهم بنو المطلب في الشعب بعد المبعث بست سنين، فمكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين، وخرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل.
وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام.
وقد قيل غير ذلك، وولد عبد الله بن عباس ﵁ في الشعب قبل خروج بنى هاشم منه. وقيل: إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم مات رسول الله ﵌. وكان أبو طالب قد أسلم ابنه عليا إلى رسول الله ﵌، وذلك:
أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﵌ للعباس عمه - وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس؛ إن أخاك أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا لنخفف عنه
_________________
(١) في ى: لا تنصر، وهو تحريف.
[ ١ / ٣٧ ]
من عياله. فقال: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقال له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى يكشف الله عن الناس ما هم فيه. فقال لهما أبو طالب:
إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﵌ عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي ﵁ مع رسول الله ﵌ حتى ابتعثه الله نبيا، وحتى زوجه من ابنته فاطمة على جميعهم الصلاة والسلام.
وتزوج رسول الله ﵌ خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، على اختلاف في ذلك قد ذكرناه.
وكان موتها بعد موت عمه أبى طالب بأيام يسيرة. قيل: ثلاثة أيام.
وقيل: سبعة. وقيل: كان بين موت أبى طالب وموت خديجة شهر وخمسة أيام. وتوفي أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة وتوفيت خديجة وهي ابنة خمس وستين سنة، فكانت مصيبتان توالتا على رسول الله ﵌ بوفاة عمه أبى طالب ووفاة خديجة ﵂. وقيل: توفيت خديجة بعد ما تزوجها رسول الله ﵌ بأربع وعشرين سنة وستة أشهر وأربعة أيام قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف شهر.
وفي عام وفاة خديجة تزوج رسول الله ﵌ سودة وعائشة، ولم يتزوج على خديجة حتى ماتت ﵂. وكانت وفاة أبى طالب وخديجة قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: بسنة. وقيل: كانت وفاتهما سنة عشر من المبعث في أولها، والله أعلم.
[ ١ / ٣٨ ]
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وأخبرنا خلف بن قاسم، قال حدثنا محمد بن القاسم بن معروف، قال حدثنا أحمد بن على بن المثنى، قال حدثنا يحيى ابن معين، قال حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه. ولفظهما والمعنى سواء. قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله ابن أبى أمية فقال: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية. يا أبا طالب؛ أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا به حتى كان آخر شيء تكلم به على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فنزلت (^١): ﴿مَا كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ ..﴾. + إلى آخر الآية. ونزلت (^٢): ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ..﴾. الآية.
قال ابن شهاب: قال عروة بن الزبير: ما زالوا - يعنى قريشا - كافين عن رسول الله ﷺ حتى مات أبو طالب. ولم تمت خديجة فيما ذكر ابن إسحاق وغيره إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ.
_________________
(١) التوبة ١١٣.
(٢) القصص ٥٦.
[ ١ / ٣٩ ]
قال أبو عمر: قال ابن إسحاق وغيره: لما توفى أبو طالب وتوفيت بعده خديجة بأيام يسيرة خرج رسول الله ﵌ إلى الطائف، ومعه زيد بن حارثة، وطلب منهم المنعة، فأقام عندهم شهرا ولم يجد فيهم خيرا، ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي. قيل: كان ذلك سنة إحدى وخمسين من عام الفيل، وفيها قدم عليه جن نصيبين بعد ثلاثة أشهر فأسلموا.
وأسري به إلى بيت المقدس بعد سنة ونصف من حين رجوعه إلى مكة من الطائف سنة اثنتين وخمسين، وقد ذكرنا الاختلاف في تاريخ الإسراء في كتاب (التمهيد) عند ذكر فرض الصلاة والحمد لله.
[قال ابن شهاب] عن ابن المسيب: عرج (^١) به ﵌ إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وقال غيره:
كان بين الإسراء إلى اليوم الذي هاجر فيه رسول الله ﷺ سنة وشهران، وذلك سنة ثلاث وخمسين من عام الفيل.
قال أبو عمر: قال ابن إسحاق وغيره: مكث رسول الله ﷺ بعد مبعثه بمكة إلى أن أذن الله له بالهجرة داعيا إلى الله صابرا على أذى قريش وتكذيبهم له إلا من دخل في دين الله منهم، واتبعه علي ما جاء به ممن هاجر إلى أرض الحبشة فارا بدينه، ومن بقي معه بمكة في منعة من قومه، حتى أذن له الله بالهجرة إلى المدينة، وذلك بعد أن بايعه وجوه الأوس والخزرج بالعقبة على أن يؤووه وينصروه، حتى يبلغ عن الله رسالته،
_________________
(١) في س، أ: أسرى به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء.
[ ١ / ٤٠ ]
ويقاتل من عانده وخالفه، فهاجر إلى المدينة، وكان رفيقه إليها أبو بكر الصديق ﵁ لم يرافق غيره من أصحابه، وكان يخدمهما في ذلك السفر عامر بن فهيرة، وكان مكثه بمكة بعد أن بعثه الله ﷿ ثلاث عشرة سنة. وقيل: عشر سنين. وقيل: خمس عشرة سنة، والأول أكثر وأشهر عند أهل السير.
ثم أذن الله له في الهجرة إلى المدينة يوم الاثنين، فخرج معه أبو بكر إليها، وكانت هجرة إلى المدينة في ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقدم المدينة يوم الاثنين قريبا من نصف النهار في الضحى الأعلى لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. هذا قول ابن إسحاق. وقال ابن إسحاق وغيره: كانت بيعة العقبة حين بايعته الأنصار في أوسط أيام التشريق في ذي الحجة، وكان مخرج النبي ﵌ إلى المدينة بعد العقبة بشهرين وليال، وخرج لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت منه.
قال أبو عمر: قد روي عن ابن شهاب أنه قدم المدينة لهلال ربيع الأول.
وقال عبد الرحمن بن المغيرة: قدم النبي ﵌ المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى. وقال الكلبي: خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
قال أبو عمر: وهو قول ابن إسحاق إلا في تسمية اليوم فإن ابن إسحاق يقول: يوم الاثنين والكلبي يقول: يوم الجمعة، واتفقا لاثنتي عشرة ليلة خلت
[ ١ / ٤١ ]
من ربيع الأول. وغيرهما يقول لثمان خلت منه، فالاختلاف أيضا في تاريخ قدومه المدينة كما ترى.
قال ابن إسحاق، فنزل على أبى قيس كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس أحد بني عمرو بن عوف، فأقام عنده أربعة أيام. وقيل: بل كان نزوله في بنى عمرو ابن عوف على سعد (^١) بن خيثمة، والأول أكثر. فأقام رسول الله ﵌ في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، وخرج من بني عمرو بن عوف منتقلا إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بنى سالم فصلاها في بطن الوادي، ثم ارتحل إلى المدينة فنزل على أبي أيوب الأنصاري، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده في تلك السنة، وبنى مساكنه، ثم انتقل، وذلك في السنة الأولى من هجرته.
وقال غير ابن إسحاق: نزل في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، ثم خرج من عندهم غداة يوم الجمعة على راحلته معه الناس، حتى مر ببني سالم لوقت الجمعة، فجمع بهم، وهي أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم ركب لا يحرك راحلته، وهو يقول: دعوها فإنها مأمورة.
فمشت حتى بركت في موضع مسجده الذي أنزله الله به في بنى النجار، فنزل عشية الجمعة سنة ثلاث وخمسين من عام الفيل. ومن مقدمة المدينة أرخ التاريخ في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ولم يغز رسول الله ﵌ بنفسه تلك السنة. وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد ذلك بخمسة أشهر، وبعث عمه حمزة في جمادى الأولى، فكان أول من غرا في سبيل
_________________
(١) في ى: أسعد، والصواب من م.
[ ١ / ٤٢ ]
الله، وأول من عقدت له راية في الإسلام، خرج في ثلاثين راكبا إلى سيف البحر، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش، فحجز بينهم رجل من جهينة، فافترقوا من غير قتال، ثم بعث عبيدة بن الحارث في خمسين راكبا يعارض عيرا لقريش، فلقوا جمعا كثيرا فتراموا بالنبل، ولم يكن بينهم مسايفة.
وقيل: إن سرية عبيدة كانت قبل سرية حمزة، وفيها رمى سعد، وكان أول سهم رمي به في سبيل الله. وقيل: أول لواء عقده رسول الله ﵌ لعبد الله بن جحش، والأول أصح، والله أعلم.
والأكثر على أن سرية عبد الله بن جحش كانت في سنة اثنتين في غرة رجب إلى نخلة، وفيها قتل ابن الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الآخرة. ثم غزا رسول الله ﵌ أهل الكفر من العرب. وبعث إليهم السرايا، وكانت غزواته بنفسه ستا وعشرين غزوة، هذا أكثر ما قيل في ذلك.
وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله وعند المسلمين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل الله صناديد قريش، وأظهر دينه وأعزه الله من يومئذ، وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان صبيحة يوم الجمعة، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل، ويقرب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان، وذلك سنة ست من الهجرة، وكانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية.
قال أحمد بن حنبل وغيره عن وكيع عن أبيه، وإسرائيل عن أبى إسحاق قال: سألت زيد بن أرقم: كم غزا رسول الله ﷺ؟
[ ١ / ٤٣ ]
قال: تسع عشرة غزوة، وغزوت معه سبع عشرة، وسبقني بغزوتين.
واعتمر رسول الله ﵌ ثلاث عمر. وفي قول من جعله قارنا في حجه أربع عمر. وقد بينا ذلك في كتاب «التمهيد».
وافترض عليه الحج بالمدينة، وكذلك سائر الفرآئض فيما أمر به أو حرم عليه إلا الصلاة فإنها افترضت عليه حين أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وذلك بمكة، ولم يحج رسول الله ﵌ من المدينة غير حجته الواحدة، حجة الوداع، وذلك سنة عشر من الهجرة.
وتزوج رسول الله ﵌ عددا كثيرا من النساء، خص بذلك دون أمته بجمع أكثر من أربع، وأحل له فيهن ما شاء، فالمجمع عليه من أزواجه إحدى عشرة امرأة وهن:
خديجة بنت خويلد، أول زوجة كانت له، لم يجمع قط معها غيرها، وسنذكر أخبارها ونسبها وولدها من النبي ﵌ وكثيرا من فضائلها وخبرها في بابها من كتاب النساء من هذا الديوان، وكذلك نذكر كل واحدة منهن في موضع اسمها من ذلك الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم سودة بنت زمعة بن قيس. من بنى عامر بن لؤي، تزوجها في قول الزهري قبل عائشة ﵂ بمكة، وبنى بما بمكة في سنة عشر من النبوة.
وعائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ تزوجها بمكة قبل سودة، وقيل بعد سودة، وأجمعوا على أنه لم يبن بها إلا في المدينة. قيل سنة
[ ١ / ٤٤ ]
هاجر، وقيل سنة اثنتين من الهجرة في شوال، وهي ابنة تسع سنين، وكانت في حين عقد عليها بنت ست سنين. وقيل بنت سبع سنين.
وحفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄. تزوجها سنة ثلاث في شعبان.
وزينب بنت خزيمة. وهي من بني عامر بن صعصعة، وكان يقال لها أم المساكين، تزوجها سنة ثلاث، فكانت عنده شهرين أو ثلاثة، وتوفيت، ولم يمت أحد من أزواجه في حياته غيرها وغير خديجة قبلها.
وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة المخزومية، واسمها هند، تزوجها سنة أربع في شوال.
وزينب بنت جحش الأسدية من بني أسد بن خزيمة، تزوجها في سنة خمس من الهجرة في قول قتادة، وخالفه غيره على ما نذكره في بابها من كتاب النساء.
وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، واسمها رملة، تزوجها سنة ست، وبنى بها سنة سبع، زوجه إياها النجاشي. واختلف فيمن عقد عليها على ما يأتي به الخبر عند ذكرها في بابها من كتاب النساء إن شاء الله تعالى.
وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق، كانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس، وذلك في سنة ست. وقيل سنة خمس، وهو الأكثر
[ ١ / ٤٥ ]
والصواب: فكاتبها فأذى رسول الله ﵌ كتابتها وتزوجها.
وميمونة بنت الحارث [بن حزن] (^١) الهلالية، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، نكحها سنة سبع في عمرة القضاء. على حسب ما ذكرناه في بابها من كتاب النساء.
وصفية بنت حيي بن أخطب اليهودي، وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي، فاشتراها رسول الله ﵌ منه بأرؤس اختلفوا في عددها، وأعتقها وتزوجها، وذلك سنة سبع.
فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن، وهن إحدى عشرة امرأة، منهن ست من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون، وأربع من سائر العرب. وتوفى في حياته منهن اثنتان خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وزينب بنت خزيمة بالمدينة، وتخلف منهن تسع بعده ﷺ.
وأما اللواتي اختلف فيهن ممن ابتنى بها وفارقها أو عقد عليها، ولم يدخل بها، أو خطبها ولم يتم له العقد منها، فقد اختلف فيهن، وفي أسباب فراقهن اختلافا كثيرا يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدة منهن، وقد ذكرنا جميعهن كل واحدة منهن في بابها من كتاب النساء من كتابنا هذا، والحمد لله وحده.
ثم بدا برسول الله ﵌ مرصه الذي مات منه
_________________
(١) في ى: بنت الحارث من الهلالية، والصواب من أ، س، م، وأسد الغابة.
[ ١ / ٤٦ ]
يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بنت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة. وكان ﵌ قد ولد يوم الاثنين، ونبي يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض ﵌ يوم الاثنين ضحى في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن ﵌ يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. وقيل: بل دفن ﵌ ليلة الأربعاء.
ذكر ابن إسحاق قال: حدثتني فاطمة [بنت محمد] (^١) عن عمرة عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﵌ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء، وصلى عليه علي والعباس ﵄ وبنو هاشم، ثم خرجوا، ثم دخل المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس يصلون عليه أفذاذا، لا يؤمهم أحد، ثم النساء والغلمان.
وقد أكثر الناس في ذكر من أدخله قبره وفي هيئة كفنه وفي صفة خلقه وخلقه وغزواته وسيره مما لا سبيل في كتابنا هذا إلى ذكره. وإنما أجرينا من ذكره ﵌ هاهنا لمعا (^٢) يحسن الوقوف عليها والمذاكرة بها، تبركا بذكره في أول الكتاب، والله الموفق للصواب.
_________________
(١) الزيادة من أ، س، م.
(٢) في ى: المعاملات، وهو تحريف.
[ ١ / ٤٧ ]
وأصح ذلك أنه نزل في قبره العباس عمه، وعلي ﵄ معه، وقشم بن العباس، والفضل بن العباس، ويقال: كان أوس بن خولي وأسامة بن زيد معهم، وكان آخرهم خروجا من القبر قثم بن العباس، وكان آخر الناس عهدا برسول الله ﵌، ذكر ذلك ابن عباس وغيره. وهو الصحيح. وقد ذكر عن المغيرة بن شعبة في ذلك خبر لا يصح أنكره أهل العلم ودفعوه. وألحد له ﵌ وبنى في قبره اللبن، يقال تسع لبنات، وطرح في قبره سمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن أخرجوها وأهالوا التراب على لحده، وجعل قبره مسطوحا ورش عليه الماء رشا.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، قال حدثنا حسين بن على الجعفي عن زائدة بن قدامة عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: ما صدق نبي ما صدقت، وإن من الأنبياء من لم يصدقه من أمته إلا رجل واحد.
وأما فضائله وأعلام نبوته فقد وضع فيها جماعة من العلماء، وجمع كل منها ما انتهت إليه روايته ومطالعته، وهي أكثر من أن تحصى. ومما رثى به ﵌ قول صفية عمته.
قال الزبير: حدثني عمى مصعب بن عبد الله، قال: حدثني أبى عبد الله بن مصعب، قال: رويت عن هشام بن عروة لصفية بنت عبد المطلب ترثى رسول الله ﵌:
[ ١ / ٤٨ ]
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا … وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت رحيما هاديا ومعلما … ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكي النبي لفقده … ولكن لما أخثى من الهرج آتيا
كأن على قلبي لذكر محمد … وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد … على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدى لرسول الله أمي وخالتي … وعمى وآبائي ونفسي وماليا
صدقت وبلغت الرسالة صادقا … ومت صليب العود أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا … سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية … وأدخلت جنات من العدن راضيا
أرى حسنا أيتمته وتركته … يبكى ويدعو جده اليوم نائيا
وكان له ﷺ أسماء وصفات جاءت عنه في أحاديث شتى بأسانيد حسان.
قال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الذي ختم الله بي النبوة، وأنا العاقب فليس بعدي نبي، وأنا المقفى بعد الأنبياء كلهم، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، ويروى الملاحم. جاء هذا كله عنه في آثار شتى من وجوه صحاح، وطرق حسان، وكان يكنى أبا القاسم ﷺ، لا خلاف في ذلك.
حدثنا يعيش بن سعيد وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم بن صبغ، قال: حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم، حدثنا أبو يعقوب [الحنينى] (^١)
_________________
(١) من أ، س م. وفي أ: بن القاسم.
[ ١ / ٤٩ ]
عن داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﵌: تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، فإني أنا أبو القاسم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا محمد بن عبد السلام الختني قال: حدثنا محمد بن يسار قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ، قال: لا تجمعوا بين اسمى وكنيتي فإنما أنا أبو القاسم، الله يعطى، وأنا أقسم.
وأما ولده ﵌ فكلهم من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، وولده من خديجة أربع بنات لا خلاف في ذلك، أكبرهن زينب بلا خلاف وبعدها أم كلثوم، وقيل بل رقية، وهو الأولى والأصح، لأن رقية تزوجها عثمان قبل، ومعها هاجر إلى أرض الحبشة، ثم تزوج بعدها، وبعد وقعة بدر أم كلثوم، وسيأتي ذكر كل واحدة منهن في بابها من كتاب النساء في هذا الديوان إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن رقية أصغرهن، والأكثر والصحيح أن أصغرهن فاطمة ﵂ وعن جميعهن.
واختلف في الذكور، فقيل أربعة: القاسم، وعبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: ثلاثة، ومن قال هذا قال عبد الله سمى الطيب، لأنه ولد في الإسلام، ومن قال غلامان قال القاسم، وبه كان يكنى ﵌، وعبد الله قيل له الطيب والطاهر، لأنه ولد بعد المبعث، وولد القاسم قبل المبعث، ومات القاسم بمكة قبل المبعث، وقد ذكرنا الاختلاف
[ ١ / ٥٠ ]
في ذلك كله وسمينا القائلين به في باب خديجة من كتاب النساء من هذا الديوان (^١).
حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قراءة منى عليه أن محمد بن عيسى حدثهم قال: حدثنا يحيى بن أيوب بن بادى (^٢) العلاف، قال حدثنا محمد بن أبى السري العسقلاني، قال حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبى حمزة عن عطاء الخراساني، عن عكرمة عن ابن عباس: أن عبد المطلب ختن النبي ﵌ يوم سابعه، وجعل له مأدبة، وسماه محمدا ﷺ. قال يحيى بن أيوب: ما وجدنا هذا الحديث عند أحد إلا عند ابن أبى السرى.
وقد روي: أن رسول الله ﵌ ولد مختونا من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد رسول الله ﵌ مختونا مسرورا، يعنى مقطوع السرة، فأعجب بذلك جده عبد المطلب، وقال: ليكونن لابني هذا شأن عظيم. وليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم. وفي حديث ابن عباس عن أبي سفيان في قصته مع هرقل - وهو حديث ثابت من جهة الإسناد - دليل على أن العرب كانت تختتن، وأظن ذلك من جهة مجاورتهم في الحجاز ليهود، والله أعلم.
واختلف في سنه ﷺ يوم مات، فقيل ستون سنة، روى
_________________
(١) في ى: من هذا الكتاب.
(٢) في أ: نادى، وهو خطأ، وليس في م.
[ ١ / ٥١ ]
ذلك ربيعة وأبو غالب عن أنس بن مالك، وهو قول عروة بن الزبير ومالك ابن أنس.
وقد روى حميد عن أنس، قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة، ذكره أحمد بن زهير عن المثنى بن معاذ عن بشر بن المفضل عن حميد عن أنس، وهو قول دغفل بن حنظلة السدوسى النسابة. ورواه معاذ عن هشام عن قتادة عن أنس، ورواه الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة. ولم يدرك دغفل النبي ﵌. قال البخاري:
ولا نعرف للحسن سماعا من دغفل. قال البخاري: وروى عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﵌ وهو ابن خمس وستين سنة. قال البخاري: ولا يتابع عليه عن ابن عباس إلا شيء (^١) رواه العلاء بن صالح عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.
قال البخاري: وروى عكرمة وأبو سلمة وأبو ظبيان وعمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵌ قبض وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال أبو عمر ﵁: قد تابع عمار بن أبي عمار على روايته المذكورة عن ابن عباس ﵄ يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵄ في خمس وستين. والصحيح عندنا رواية من روى ثلاثا رواه عن ابن عباس من تقدم ذكر البخاري لهم في ذلك، ورواه كما رواه أولئك ممن لم يذكره البخاري أبو حمزة ومحمد بن سيرين
_________________
(١) هكذا في س، وفي ى: بشيء. والعبارة في أ: ولا نتابع عليه ابن عباس إلا شيء.
[ ١ / ٥٢ ]
ومقسم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ توفى وهو ابن ثلاث وستين. ولم يختلف عن عائشة أنه توفى ﵌ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو قول محمد بن على، وجرير بن عبد الله البجلي وأبي إسحاق السبيعي ومحمد بن إسحاق.
أخبرنا خلف بن قاسم [بن سهل] (^١)، قال حدثنا (^٢) عبد الله بن جعفر عن محمد بن الورد، قال: حدثنا يحيى بن أيوب بن بادى العلاف وأحمد بن حماد، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال حدثنى الليث بن سعد، قال:
حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال، [عن هلال] (^٣) بن سلمة عن عطاء (^٤) بن يسار عن عبد الله بن سلام: أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله ﵌. ﴿إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزى بسيئة مثلها ولكن تعفو وتتجاوز، ولن أقبضك حتى أقيم بك الملة العوجاء بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، أفتح بك أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. قال عطا بن يسار:
وأخبرنى أبو واقد الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال عبد الله بن سلام رضي الله عن جميعهم.
_________________
(١) من م.
(٢) في م: أخبرنا.
(٣) في هامش م: كذا وقع سلمة، والصحيح أسامة. وفيه أيضا: وقع بخط الشيخ هلال بن سلمة. وهو وهم، والصواب هلال بن أسامة.
(٤) في ى: أبى عطاء، وهو تحريف.
[ ١ / ٥٣ ]