تأتي أهمية هذا الكتاب موضع التحقيق من كون صاحبه حاز قصب السبق في علم الأثر، وتقدَّم على أقرانه في علوم الحديث، وبلغ شأوًا كبيرًا في علم النسب والأخبار.
قال ابن الصلاح (^١): "معرفة الصحابة ﵃، هذا علم كبير قد ألف الناس فيه كتبًا كثيرة، ومن أحلاها وأكثرها فوائد كتاب "الاستيعاب" لابن عبد البر، لولا ما شانه به من إيراده كثيرًا مما شجر بين الصحابة وحكايته عن الإخباريين لا المحدثين، وغالب على الإخباريين الإكثار والتخليط فيما يروونه".
وقال العراقي (^٢): "وهو كثير الفوائد".
وقد تلقى تلاميذ ابن عبد البر الكتاب بالرواية والأخذ عنه مباشرة، وسعوا إلى إذاعته في مجالس الرواية والسماع؛ وتتابعت طرق تحمله في الأندلس جيلا بعد جيل، واهتم به العلماء اهتماما كبيرًا، دلَّت عليه جهود العلماء على مرِّ العصور، مشرقًا ومغربًا، في اختصار الكتاب وتذييله والاستدراك عليه، بل هناك من ندب نفسه لتقريب مواد هذا الكتاب بالترجمة إلى لغة شعوب غير ناطقة باللغة العربية (الأتراك)، فقد قال حاجي خليفة في "كشف الظنون" (^٣): "هو كتاب جليل القدر، ذكر أن
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ٤٨٥.
(٢) ألفية العراقي ٢/ ١١٩.
(٣) كشف الظنون ٢/ ٨١.
[ المقدمة / ٣٠ ]
السلطان أحمد خان العثماني قد أشار إلى ترجمته بالتركية، فباشر ذلك إمامه المولى مصطفى، ولم يوفق إلى إتمامه، فمات وقد وصل إلى حرف الحاء، ثم باشر المولى كمال الدين محمد بن أحمد المعروف بطاش كبري زاده، ولما وصل إلى حرف الراء مات، فبقي ناقصًا".
رتَّب ابن عبد البر تراجم كتابه ترتيبًّا أبجديًّا؛ حسب الترتيب السائد في المغرب والأندلس، وجعل له مقدمة جامعة، أتى فيها على ذكر أهمية الاعتناء بالسنة النبوية، باعتبارها الأداة "المُبيِّنة لمراد الله ﷿ من مجملات، كتابه، والدالة على حدوده، والمفسرة له" (^١)، وأن معرفة ناقليها عن النبي ﷺ، وهم الصحابة، من أوْكَد السبُل المُعينة على حفظها.
ثم بيَّن أنَّ عدالة الصحابة ثابتة بمنطوق آيات الذكر الحكيم، وثناء الرسول ﷺ على فضل صحابته الأكرمين، وبيَّن تفاوت فضلهم وسابقتهم، وحسن بلائهم في المشاهد التي حضروها، ولم يفت ابن عبد البر إيراد الأحاديث الدالة على فضل بعضهم، وبيان منزلتهم في الدين والعلم.
وأشار إلى أن ما يجب معرفته عن الصحابة، هو: اسم الصحابي، ونسبه، والبحث عن سيرته للاقتداء بها، أما عدالته فهي من الأمور البدهية المقطوع بها، ثم استعرض أسماء الكتب التي وضعها أصحابها في هذا اللون من التأليف، منتقدًا طريقة عرضهم لمضامين الترجمة
_________________
(١) الاستيعاب ١/ ١.
[ المقدمة / ٣١ ]
قائلًا: "نظرت إلى كثير مما صنفوه في ذلك وتأمَّلت ما ألَّفوه، فرأيتهم - رحمة الله عليهم - قد طوَّلوا في بعض ذلك وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات" (^١). في حين فاتهم استيعاب أخبار المترجمين لهم وبيان أحوالهم.
وقد اعتمد ابن عبد البر كُتبَ كثير ممن سبقوه، واستند إليها في صياغة كتابة تراجمه، مراعيًا الاختصار في الاقتباس منها، وكان حريصًا على توثيق طرق تحمل تلك المؤلفات التي أفاد منها، دلَّت على سعة مروياته وعلى تباين الأسانيد الموصولة بمؤلفها.
ولم يفته تنبيه القارئ إلى أنه لم يقتصر في كتابه على كل من صحَّت صحبته ولو بلقية واحدة؛ أو رؤية فقط، أو سمع منه لفظة فأداها عنه، وإنما ترجم كذلك لمن وُلد على عهد النبي ﷺ، ومن كان مؤمنًا به ولم يرد عليه.
وتفاديًا للتطويل في إيراد أنساب الرواة؛ من قريش والأنصار ورفعها في كتابه، فإن ابن عبد البر أفرد موضوع الأنساب بكتاب مستقل، جعله مدخلا للاستيعاب، سماه: "الإنباه على القبائل الرواة" كما تقدم التنبيه على ذلك من كلام المصنف.
وقد آثرنا أن نصدر به هذا التحقيق، ليكون مدخلًا للكتاب كما أراد مؤلفه.
_________________
(١) الاستيعاب ١/ ٩.
[ المقدمة / ٣٢ ]
ولما كان الشرف الذي أدركته الصفوة المباركة من أصحاب النبي ﷺ، هو بسبب شرف ورفعة صاحب الدعوة، عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي اندرجت جموعهم تحت لواء أتباعه، لذلك ارتأى المؤلف تحلية جوانب من سيرة هذا النبي الكريم، مقتصرًا فيها "على النُّكت التي يجب الوقوف عليها، ولا يليق بذي علم جهلها، وتحسن المذاكرة بها، لتتمَّ للعالم الراغب، والمتعلم الطالب، في التعريف بالمصحوب والصاحب" (^١).
لقد قسم ابن عبد البر كتابه إلى أربعة أقسام:
- الصحابة الرجال، مرتب على الحروف.
- كنى الصحابة.
- الصحابيات مرتب على الحروف.
- كنى الصحابيات.
- الاستدراك على الاستيعاب.
وقد ضم الكتاب، كما وضعه المؤلف ٣٥٠٠ ترجمة، لكن ألحقت به على توالي الأزمان تراجم كثيرة فات ابن عبد البر إيرادها، وبعضها مقتطفة من ذيول الكتاب، واستدراكات بعض تلاميذه، وبلغ مجموع التراجم المتداولة في كتاب "الاستيعاب": ٤٢٢٥ ترجمة.
وإن العلامة ابن عبد البر لا يزعم أنه استقصى جميع تراجم
_________________
(١) الاستيعاب ١/ ٤٨.
[ المقدمة / ٣٣ ]
الصحابة، واستوعب أسماءهم، بل هو يُصرِّح في طالعة كتابه، قائلًا: "على أنِّي لا أدَّعي الإحاطة، بل أعترف بالتقصير الذي هو الأغلب على الناس" (^١)، لذلك عهد إلى تلميذه أبي علي الحسين الغسَّاني الجيَّاني (ت ٤٧٨ هـ) وأوصاه بأن يلحق بكتابه ما فاته من أسماء الصحابة الكرام، قائلًا له: "أمانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من الصحابة لم أذكره، إلَّا ألحقته في كتابي الذي في الصحابة" (^٢).
لقد لقي كتاب "الاستيعاب" من عناية العلماء واهتمامهم ما لم ينله كتاب آخر، فأفرغ كثير من العلماء جهودهم في تهذيبه؛ واختصاره؛ وتذييله؛ واستدراكه، وما تزال بعض الخزائن العلمية تحتفظ بآثارهم، كما حفلت كتب كثيرة بذكر أخبار من أوْلوْا عنايتهم لهذا الكتاب، ومن أولئك الأعلام:
١ - أبو علي الحسين الغسَّاني الجيَّاني (ت ٤٧٨ هـ) - تلميذ ابن عبد البر - ألّف ذيلًا حافلًا على كتاب "الاستيعاب"، وقد ألحق النساخ بعض مواده في متن الكتاب، أفاد منه ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) في "أسد الغابة"، وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في "الإصابة" وغيرهما.
٢ - أبو الوليد الوَقّشي الطُّليطلي (ت ٤٨٩ هـ) وضع حاشية على "الاستيعاب"، أفاد منها ابن حجر في كتابه "الإصابة" (٩/ ٢١٤، ٢٣٨).
٣ - محمد بن خلف بن فَتْحُون الأندلسي (ت ٥١٩ هـ) ألَّف كتابًا
_________________
(١) الاستيعاب ١/ ٣٩.
(٢) الروض الأنف للسهيلي ٣/ ٤٧١.
[ المقدمة / ٣٤ ]
سمَّاه: "الاستلحاق على كتاب الاستيعاب"، وهو من أشهر الذيول وأحفلها فوائد.
وتجدر الإشارة إلى أن ابن فتحون وضع كتابًا آخر، بيَّن فيه أوهام أبي عمر بن عبد البر في "الاستيعاب".
٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى القرطبي، المعروف بابن الأمين الطليطلي (ت ٥٤٤ هـ)، كتب استدراكًا مميزًا سماه: "الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي ﵇". وقد ألجقناه بالكتاب في آخر كل حرف.
٥ - يوسف بن محمد بن مِقْلَد التّنُوخي الجُمَاهري، المعروف بابن الدّوَانيقي (ت ٥٥٨ هـ)، استدرك على ما لم يُذكر في "الاستيعاب" وسمى كتابه: "الارتجال في أسماء الرجال".
٦ - أبو محمد الأشيري الصنهاجي (ت ٥٦١ هـ)، وضع حواشي وتعليقات على نسخته من "الاستيعاب"، وقد استفاد منها ابن الأثير في كتابه: "أسد الغابة".
٧ - أحمد بن يوسف بن إبراهيم الأذرعي المالكي، اختصر الكتاب وسماه: "روضة الأحباب لاختصار الاستيعاب".
٨ - يحيى بن حميدة بن أبي طي الحلبي (ت ٦٣٠ هـ)، له كتاب "تهذيب الاستيعاب".
٩ - محمد بن أحمد عثمان بن قَايْماز الذَّهبي (ت ٧٤٨ هـ) ألف
[ المقدمة / ٣٥ ]
كتاب: "منتقى الاستيعاب" ذكره في كتابه "تاريخ الإسلام" عند ترجمته للصحابي (أبي رفاعة العدوي) ٢/ ١٦.
١٠ - محمد بن يعقوب بن محمد الخليلي (ت ٧٩٧ هـ) اختصر "الاستيعاب"، وسماه: "إعلام الإصابة بأعلام الصحابة".
١١ - أبو علي عمر بن علي بن يوسف بن الزَّهراء العثماني الورباغلي ثم الفاسي (من أهل القرن الثامن) وضع اختصارًا على "الاستيعاب" سماه "أنوار أولي الألباب، باختصار الاستيعاب" توجد نسخة مخطوطة منه بالخزانة الوطنية بالرباط تحمل رقم (٢٣٢٤ د).
١٢ - محمد بن أحمد بن يزيد بن خليفة الفَزَاري (توفي بعد ١٠٦٥ هـ) صنف كتاب: "تقريب الاستيعاب" توجد نسخة منه في الخزانة الأحمدية بتونس (١٦٣٨).
١٣ - العلامة جماعة بن عمر بن عبد الله الزهري، ألف كتاب "ملخص الاستيعاب".
١٤ - محمد بن محمد الحسيني السّنْدَرُوسي الطرابلسي (ت ١١٧٧ هـ) اختصر كتاب "ملخص الاستيعاب" السابق، وسماه: "الشموس المضية في ذكر أصحاب خير البرية".
١٥ - وقد جمع إبراهيم بن محمد بن خليل، سبط ابن العجمي (ت ٨٤١ هـ)، عدة حواش مما كتب مستدركًا على "الاستيعاب"، فألحقت بحواشي هذا التحقيق.
[ المقدمة / ٣٦ ]