نشا ابن عبد البر في مدينة قرطبة، وقد كانت يومئذ عاصمة الخلافة الأموية بالأندلس، وسرير الملك، ومدينة العلم، وقد سطع في سمائها نجوم المعرفة من كلِّ فنٍّ، وأصبحت مركز الحضارة الإسلامية في المغرب (^٤).
وفي هذا الأفق العلمي الرَّحب نشأ وترعرع ابن عبد البر، وتفقه على فطاحل العلماء ولازمهم، وتفنن وبرع في العلوم المختلفة، حتى لُقِّب بحافظ المغرب. "طلب العلم بعد التسعين وثلاثمائة، وأدرك الكبار، وطال عمره وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنَّف، ووثَّق
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٥٤، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٨.
(٢) جذوة المقتبس ص ٣٦٧، وبغية الملتمس ٤٩٠.
(٣) الصلة ٢/ ٦٧٩، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٤٦١ - ٤٧٠ هـ) ١٣٧، ووفيات الأعيان ٧/ ٧١.
(٤) فضائل الأندلس وأهلها ٥٢.
[ المقدمة / ١٠ ]
وضعَّف، وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لعلمه علماء الزمان" (^١).
"وكان والد أبي عمر، أبو محمد عبدُ الله بن محمد، من أهل العلم، من فقهاء قرطبة، سمع من أحمد بن مطرف، وأحمد بن سعيد بن حزم، وأحمد بن دحيم بن سعيد، وغيرهم، ولزم أبا إبراهيم الفقيه، وتفقه عنده وقرأ عليه "المدونة" وغيرها، ولم يسمع أبو عمر من أبيه شيئًا، وتوفي في ربيع الآخر سنة ثمانين وثلاثمائة، ومولده سنة ثلاثين وثلاثمائة، ذكر مولده ووفاته ابنُه أبو عمر ﵀" (^٢).