قيس بن عديّ، وقد مرّ ذكره. وكانت له قينتانٍ يجتمع إليهما فِتْيانُ قريش أبو لهبٍ وأشباهُه، وهو الذي أمرهُم بسَرِقة الغزال من الكعبة ففعلوا، فقَسَمه على قِيانِه، وكان غزالًا من ذهَب مدفونًا، فقطَعتْ قريشٌ رجالًا ممن سَرَقه، وأرادوا قَطْعَ يدِ أبي لهب فحمَتْه أخوالُه من خزاعة، فلذلك يقول بعض شعرائها:
هُمُ منعوا الشيخَ المَنافيَّ بعدما رأى حَمَّة الإزميل فوقَ البراجِم
والإزميل: الشَّفْرة، والحَمَّة: حدُّها، والبراجم: أصول الأَصابع التي تظهر في ظاهر الكفّ إذا قبضتَ على شيء.
[ ١٢١ ]
ومن رجالهم وشعرائهم: عبد الله بن الزِّبَعْري بن قيس بن عديّ، وهو الذي يقول:
ليتَ أشياخِي ببدرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الخزرجِ من وَقْع الأسَلْ
حِنَ حَكَّتْ بقُباءٍ بَرْكَها واستحرَّ القَتْل في عبد الأشَلْ
أَراد عبد الأشهَل، وهم فخذٌ من الأنصار.
وهو الذي يقول:
ألا لله قومٌ و لدَتْ أختُ بني سهمِ
هشامٌ وأبو عبدِ منافٍ مِدْرَةُ الخَصمِ
وذُو الرُّمَحينِ أشباكَ من القُوةِ والحَزْمِ
فهذانِ يذودانِ وذا مِن كَثَبٍ يرمى
وهم يومَ عُكاظٍ م؟ نَعُوا الناسَ من الهَزْمِ
واشتقاق الزِّبَعري من قولهم: رجل زِبَعْرًى، إذا كان غليظًا كثير الشعر. والزِّبَعْرُ: ضَربٌ من الريحان يقال هو المرْو. وامرأة زِبعَراةٌ: غليظةٌ كثيرة شعر الجسد.
ومن رجالهم: الحارث بن قيس، وهو الذي كان إذا وجدَ حجرًا أحسن من حجر أخذه فعَبَده، وفيهِ نزلت: " أَفرأيتَ من اتخَذَ إلهَهُ هَوَاه ".
والسائب بن الحارث كان مِن خيار المسلمين، قُتِيل يومَ الطائف شهيدًا. واشتقاق السائب من قولهم: ساب يسيب، إذا جاد ونال من النَّيل. والماء السائب: الجاري على وجه الأرض. والسَّيَاب: البلح وَأكبر من البلح قليلًا. والسائبة: البعير ينذِر الرجلُ إذا قدِم من سفرٍ أن يُسِّبَ بعيرَه، فيعمِدُ إلى ظهره فيكِسِرُ منه فَقارَةً، ثمّ يدعُه فلا يُركَب ولا يُهاج، ولا يُمنَع من ماءٍ
[ ١٢٢ ]
ولا مرعى. وكذلك فسرِّ في التنزيل والله ﷿ أعلم. وركِبَ رجلٌ من العرب سائبةً فقيل له: تركبُ الحرامَ؟ فقال: " يركبُ الحرامَ مَنْ لا حلالَ له ". فأرسلَها مثلًا.
ومنهم: الحجّاج بن الحارث بن قَيس، من فُرسان قريشٍ، قُتِل يومَ بدرٍ كافرًا. واشتقاق حجّاجٍ من شيئين: إما من قولهم: حَجّاج: كثير الحج، أي فَعَّالٌ من ذلك. أوْ من قولهم: حَججت العظمَ أحجُّه حَجًّا، إذا قطعتَه من شَجّةٍ فأخرجتَه. وكلُّ شيءٍ قصدتَه فقد حججته. ومنه الحَجُّ. والحِجَّة: السنةُ، والحِجَّة: الواحدة. وسمِّي شهر ذي الحِجَّة لأنه آخرُ السَّنَة التي هو منها. والمحَجَّةُ: الطريقُ الواضحُ. ومنه الحُجَّة التي يحتجُّ بها الإنسان، كأنَّه يُوضِح عن نَفْسه. والحجُّ: القصد إلى الشيء. قال الشاعر:
فهمْ أهَلاتٌ حولَ قيسِ بن عاصمٍ إذا أدلجوا بالليل يَدْعُون كوثَرا
وأشهدُ من عوفٍ حُلولًا كثيرة يحجُّون سِبِّ الزَّبرقانِ المُزعْفَرا
والسِّبُّ: الشُّقَّة، وهو في هذا الموضع العِمامة. وكانت سادةُ العرب تَصبُغُ عمائمَها بالزّعفران. وفسَّر أبو عبيدةَ هذا البيت تفسيرًا لا أحبُّ أن أذكره ويقال لجمع الحجَّاج حاجٌّ وحِجٌّ. قال الشاعر، جرير:
حِجٌّ بأسفلِ ذي المجازِ نُزولُ
[ ١٢٣ ]
والحَجِيج أيضًا والحَجَاة، وليس من هذا: النُّفَاخة على رأس الماء من المَطَر قالت الحنفيَّة:
أقلِّبُ طرفي في الفوارسِ لا أرى حِزَاقًا وعيني كالحَجَاةِ من القَطْرِ
وجمع حَجَاة حَجًى. ويقال: حَجَا بالمكان، إذا أقام به. فأمَّا الحَجْو فالضَّنُّ بالشيء. ومنه اشتقاق حَجْوة، وهو اسمٌ. وكذلك حُجَيَّةُ، وهو تصغير حَجْوة. وكان أَصله حُجَيْوَة فنقُلت عليهم الواو بعد ياء ساكنة فقلبوها ياءً وأدغموا الياءَ في الياء. والحِجا: العقل. ويقال: فلانٌ حَجِيٌّ بكذا وكذا، أي جدير به. ويقال: أحْجِ به أن يفعلَ، كما يقولون: أجدِرْ به أن يفعل. والحُجَيَّا من قولهم: حاجيتُك في كذا وكذا، وهي المحاجاة، وهو من اللعِب الذي يلعب به الصِّبيان في قولهم: ما كذا وكذا؟ فإذا أصاب قالوا: لك فرضٌ. ولغةٌ لأهل اليمن يندُبون به الميِّت، يقولون: يا حُجَيَّا عليك! أي ضِنِّي بك. والحُجَيَّا: تصغير حَجْوَى، مقصور.
ومن رجالهم: خُنَيس بن حُذَافة، وهو زوجُ حفصةَ بنتِ عمر ﵁ قبلَ النبي ﷺ، هاجر إلى الحبَشة، وقُتِل يومَ بدرٍ مسلمًا.
ومن أشرافهم: أبو العاص بن قيس، قُتِل يومَ بدرٍ كافرًا. وقد مرّ.
ومنهم: نُبَيْه ومنبِّه ابنا الحَجَّاج، قُتِلا يومَ بدرٍ كافِرَين، وكانا سيِّديْ بني سَهْم، وفي ذلك يقول أبو عَزَّة، وكان شاعرَ قريش:
تَركوا نُبَيهًا خَلْفَهمْ ومُنَبِّها وابنَيْ ربيعةَ خير خَصْمِ فِئامِ
[ ١٢٤ ]
ونُبَيهٌ يمكن أن يكون تصغير نَبَهٍ. والنَّبَهُ: الشيء يَضِيع فلا يُطلَب لهوانِه أو لقلَّتهِ. قال الشاعر:
كأنَّه دُمْلجٌ من فِضّةٍ نبَهٌ في ملبٍ من عَذارَى الحيِّ مفصُومُ
والنابه: المرتفع الذَّكر العالي. ويقال هذا خَيْرٌ نابهٌ، أي عظيم. ورجل نبيهٌ، أي عالي الذكر. ومُنَبِّه مُفَعِّلٌ من الانتباه، من قولهم: نَبَّهه من نومه تنبيهًا. نبَّهتك عنْ كذا وكذا. أي عرّفتك مكانَه. وفلان أنْبَهُ من فلانٍ، أي أشهر منه في الناس. والنَّباهة المصدر. ومنه اشتقاق نَبْهان، وهو أبو قبيلةٍ من طيِّئ. ونَبُه الرجّلُ نباهةً، إذا صار نبيهًا.
ومن رجالهم: العاصِ بن أميّة، قتِلَ يومَ بدرٍ كافرًا.
ومنهم صُبيرة بن سُعَيدٍ، من المعمَّرين، عاش مائةً وثمانين سنةً، وأدركَ الإسلامَ فلم يُسلِم. وفيه يقول الشاعر:
مَن يأمَنُ الحَدَثانَ بَعْ دَ صُبيرةَ السهمِّيِّ ماتا
سبقَتْ منيَّتُه المَشِي بَ وكان ميتتُه افتِلاتا
أي فُجاءة.
فتزوَّدُوا لا تَهلِكُوا من دُونِ أهلِكمُ خُفَاتا
[ ١٢٥ ]
وصُبَيرة: تصغير صُبْرة. والصَّبرِ هو هذا الدَّواء المرِّ، بفتح الصاد وكسر الباء. والصَّبْر: ضجُّ الجزَع. رجلٌ صابر وصَبِير، والصَّبْر: الحبْس، ومنه قولهم: قُتِل صَبْرًا، أي حُبِس حتَّى قتل. والصَّبِير سَحابٌ أبيضُ. وصَبَّارةُ: حَرَّةٌ معروفة. وبَيع الصُّبْرة معروف. وفي حديث النبي ﷺ: " اقتَلوا القاتلَ واصبِرُوا الصَّابر ". وأَصلُه أن رجلًا أمسكَ رجلًا حتى قتلَه، فحكم النبيُّ ﷺ بهذا، بِقَتْلِ القاتلِ وحَبْس الحابس حتَّى يموت. فالرجل مصبورٌ إذا كان محبوسًا، وأَصبار كلِّ شيء: أعلاه. قال الشاعر:
وَطًّفاءَ تملؤها إلى أصبارها
ومن رجالهم: العاصِ بن وائل، أبو عمرو بن العاص، كان سيِّدًا مطاعًا في قريش.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لمَّا أسلمْتُ دخلتُ المسجدَ فوثبَتْ عليَّ قريشٌ. فقالوا: صبأَ ابنُ الخَطَّاب! فما شكَكْتُ في الهلاك، فإذا رجلٌ آدمُ جسيمٌ، عليه بردانِ أسودانِ يقول: أنا له جارٌ! فتفرَّقُوا عنِّي.
وقد مرَّ تفسير العاص. واشتقاق وائل من قولهم وأل يَئِلُ وَأْلًا، إذا نجا من الشيء وائل أي ناج. والوْألة: مَوضع مرابِض الغنم وأبعارِها، وهي الدِّمنة. يقال: تَجنَّبْ الوأْلة لا تَنزِلها. ويقال: واءلتُ الرَّجلَ مواءلةً ووئالًا، إذا طَلبَك فأعجزتَه. والمُوائل: المبادِر ليُعجزِ. وفي العاصِ بن وائلٍ: "
[ ١٢٦ ]
إِنّ شانئَكَ هو الأبتر " وفيه نزلت: " أَرأَيتَ الذي يُكذِّب بالدِّين " الثلاث الآيات.