مما لا شك فيه أن القرن الثامن الهجري يعدّ من أزهى القرون وأكثرها تصنيفًا في علم التراجم والرجال، ويقاربه في ذلك القرن السابع، أبدعت خلاله قرائح العلماء تصانيف شتى في هذا العلم على اختلاف شرط وضعها، من تراجم عامة، وخاصة.
ومن أبرز العلماء المبدعين والمشاركين في هذا القرن: ابن عبد الملك المراكشي (ت ٧٠٣ هـ)، وابن الزبير الغرناطي (ت ٧٠٨ هـ)، والغِبْريني (ت ٧١٤ هـ)، واليونيني (ت ٧٢٩ هـ)، وعماد الدين أبو الفداء (٧٣٢ هـ)، والبرزالي (ت ٧٣٩ هـ)، والمزي (ت ٧٤٢ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وابن الوردي (ت ٧٤٩ هـ)، ومُغُلْطاي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤ هـ)، والصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، والحسيني (ت ٧٦٥ هـ)، واليافعي (ت ٧٦٨ هـ)، والسُّبكي (ت ٧٧١ هـ)، والإسنوي (ت ٧٧٢ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وابن رافع السَّلامي (ت ٧٧٤ هـ)، ومحيي الدين القرشي (ت ٧٧٥ هـ)، ولسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦ هـ)، وابن رجب (ت ٧٩٥ هـ)، وابن فرحون (ت ٧٩٩ هـ)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ)، وغيرهم ممن يعسر عدّهم.
وأدلى الإمام الأُدْفُوِيّ (ت ٧٤٨ هـ) دلوَه ضمن هذه الكوكبة النيِّرة من الأعلام، من خلال عملين جليلين في التراجم، وهما كتاب "الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد" بمجموع ٥٩٤ ترجمة، وكتاب "البدر السافر عن أنس المسافر" بمجموع ٥٩٦ ترجمة، هذا الأخير شكّل حلقة وصل وإسهام في هذا العلم.
وتتجلّى أهميته بالأساس في حفظه لتراجم جملة من الأعيان في مختلف الفنون المعرفية، ويرجع الفضل في ذلك إلى وقوف المؤلف على مصادر غميسة لا زالت عندنا اليوم في حكم المفقود، فحفظ لنا بذلك أسماء مصادر ونقول مهمة عنها، يتكشف من
[ ١ / ١٢ ]
خلالها للباحثين صورة عامة عن المصدر الذي وُجد منه أجزاء أو هو في حكم المفقود، مثل وفيات ابن المفضل القدسي، وتاج المجامع والمعاجم لشهاب الدين القوصي، والتاريخ الكبير لأبي الفضل التيفاشي، ونسيم البان للوزان الأنصاري، وتاريخ القدس لشمس الدين الكنجي، وتاريخ الإسكندرية لابن العمادية، وتاريخ مصر للمنذري، وتاريخ ابن النجار، وتاريخ ابن السمعاني، والنجوم الدرية في الشعراء العصرية لابن نشوان المصري، وغيرها.
إضافة إلى هذا كله فقد حفظ الكتاب مادة شعرية غزيرة، لا تكاد تجدها إلا فيه، انتقاها المؤلف من مصادره الأدبية المتنوعة، خاصة كتب ابن سعيد الأندلسي (ت ٦٨٥ هـ)، وقلّما تجد ترجمة في الكتاب تخلو من ذكر أبيات منسوبة لصاحب الترجمة، مما يضفي على الكتاب صبغة يمكن تسميتها بكتب التراجم الأدبية، على شاكلة كتب ابن سعيد الأندلسي، مثل الغصون اليانعة، والمغرب في حلى المغرب، وكتب ابن الخطيب الغرناطي (ت ٧٧٦ هـ)، مثل الكتيبة الكامنة، وغيرها.
ومما يميز الكتاب أيضًا اشتماله على تراجم موسعة لأعيان القرن الثامن، لا سيما شيوخ المؤلف وأقرانه، كما هو الحال في ترجمة شيخه أثير الدِّين أبو حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ)، فقد استغرقت ترجمته تسع ورقات من مخطوطة الجزء الثاني.
ولأهمية الكتاب أصبح مصدرًا رئيسًا لعدد كبير ممن أرخ هذه الفترة، فهذا معاصره صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) يُصرّح بالنقل عنه في كتابه الوافي بالوفيات ما يربو على تسعين نقلًا، وفي أعيان العصر وأعوان النصر ما ينيف على سبعين نقلًا، والراجح أن نسخة من الكتاب كانت بحوزته، أو اطّلع عليها، وكذلك ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) نقل عنه في كتابه الدرر الكامنة في أزيد من ستين موضعًا، بعضها من كتابه الطالع السعيد، وأغلبها من البدر السافر، وممن أكثر النقل عنه أيضًا
[ ١ / ١٣ ]
السبكي (ت ٧٧١ هـ) في طبقات الشافعية الكبرى، وابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) في ذيل طبقات الحنابلة، والمقريزي (ت ٨٠٥ هـ) في السلوك، وفي المواعظ والاعتبار، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ) في طبقات الشافعية، وابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ) في المنهل الصافي، والنجوم الزاهرة، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ) في شذرات الذهب، والشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في البدر الطالع.
أما عن عنوان الكتاب؛
فقد اختلفت المصادر في إيراده، فلم تتفق إلا على الشطر الأول منه: "البدر السافر"، لكنها اختلفت في الشطر الثاني من التسمية على صيغ خمس مختلفة، هي:
الأولى: البدر السافر وأنس المسافر.
ذُكر بهذه العنوان في مخطوطة محمد الفاتح، وذكره رزق اللَّه شيخو (^١).
الثانية: البدر السافر عن أنس المسافر.
ورد بهذه التسمية في مخطوطة الفاتيكان، ومخطوطة برنستون.
الثالثة: البدر السافر وتحفة المسافر.
ذكره حاجي خليفة (^٢)، وإسماعيل البغدادي (^٣)، والزركلي (^٤).
الرابعة: البدر السافر في تحفة المسافر.
_________________
(١) شعراء النصرانية: (٩/ ٣٥٣).
(٢) كشف الظنون: (١/ ٢٣٠).
(٣) هدية العارفين: (١/ ٢٥٤).
(٤) الأعلام: (٢/ ١٢٣).
[ ١ / ١٤ ]
ذكره بهذه التسمية الصفدي (^١)، وابن حجر (^٢)، وابن قاضي شهبة (^٣)، والسخاوي (^٤)، وابن العماد الحنبلي (^٥)، والشوكاني (^٦)، وسركيس (^٧)، وكحالة (^٨).
الخامسة: أنس المسافر.
أورده المؤلف في ترجمة "إبراهيم بن محمد الأسواني" في كتاب الطالع السعيد، فقال: "في مجموعي: أنس المسافر" (^٩).
إن هذه الاختلافات المتباينة في عنوان الكتاب جعلنا نرجِّح أن المؤلف قد أخرج الكتاب أكثر من إخراجة فتباين عنوان الكتاب، ولكن الثابت عندنا أن البدر السافر ألَّفه الأُدْفُوِي قبل الطالع السعيد، وهو لهذا سمَّاه فيه: أنس المسافر ولم يقل البدر السافر مما يوحي بأنه أبدل العنوان فصار: البدر السافر وتحفة المسافر أو البدر السافر في تحفة المسافر في إخراجة أخرى لم تصل إلينا بعد.
ولما كانت المخطوطات التي وصلت إلينا من الكتاب تحمل العنوان: البدر السافر في أنس المسافر أو البدر السافر عن أنس المسافر فإننا نميل إلى أن حرفي الجر: "في" و"عن" قد يكونان مصحفين من "و"، أو أن الناسخ تصرَّف في التغيير؛ لأنه ذكر "في أنس
_________________
(١) أعيان العصر: (٢/ ١٥٣).
(٢) الدرر الكامنة: (٢/ ٨٥).
(٣) طبقات الفقهاء الشافعية: (٩/ ٢١).
(٤) وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام: (١/ ٩٥).
(٥) شذرات الذهب: (٨/ ٢٦٤) نقلًا عن الصفدي.
(٦) البدر الطالع: (١/ ١٨٢).
(٧) معجم المطبوعات: (٢/ ٤١٧).
(٨) معجم المؤلفين: (٣/ ١٣٦).
(٩) الطالع السعيد: (٦٥).
[ ١ / ١٥ ]
المسافر" في نسخة الفاتح، وذكر "عن أنس المسافر" في نسخة الفاتيكان وهو ناسخ واحد نسخ الاثنين في تاريخ واحد، إضافة إلى كل ذلك فإن الأُدْفُوِي ذكر في مقدمة البدر السافر: "وآنس به في السفر".
وقد ارتأينا أن يكون عنوان الكتاب: "البدر السافر عن أنس المسافر"؛ لوجوده في بعض النسخ التي وصلت إلينا، ولأن مخطوطة الفاتح ومخطوطة الفاتيكان هما أقرب زمنًا إلى المؤلف، إذ نسختا في سنة تسعين وسبع مئة؛ أي بعد إحدى وأربعين سنة من وفاة المؤلف، فلعلهما نُسختا من نسخة المؤلف، فتصرَّف الناسخ في عنوان الكتاب.
وبخصوص منهج المؤلف؛ فقد صرح به في مقدمة الكتاب، فقال: "وكنتُ قد كتبت تراجم انْتَقَيْتها في أثناء الطالعة، وعلّقت أشياء انتخبتها من التواريخ المتتابعة، وجعلتها في جذاذات لأجدها عند المراجعة، ثم خشيت من فقدها فيبقى في القلب حزازات متتابعة، فعمدت إلى جمع مفترقها في هذا المجموع؛ ليحفظ وتراعى وتلحظ، وآنس به في السفر، وأحاضر به في الحضر من حضر، وأسرح الطرف في أزاهره، وأطرب السمع بما يسمع من مزاهره، وألهو به عمن لا يرضى، وسمير عن ما يفرط مني لا يغضى، وأقصر الخطى عن من يضن عليَّ، وأعز نفسي عن السير إلى من لا ينظر إليَّ، لا سيما وقد دُفعنا إلى زمن صفوه تكدّر، ودهر وجود جواد فيه عزّ أو تعذّر، وذي وفاء قلّ أو تعسّر … وقصدي في هذا التصنيف: الاقتصار على ذكر جماعة من المتأخرين، والاختصار على من كان في المئة الخامسة، وما بعدها من السنين، والاختصاص بمن عَرَف فَنًّا من الفنون، وله كرامة ترقى الأخبار بها إلى أعلى مراتب الظنون، مرتبًا له على ترتيب حروف المعجم، ليدرك المأمول منه بسهولة ويُعْلَم".
وهنا يمكننا أن نُلخِّص منهجه وفق العناصر الآتية:
- ترجم لأعيان المئة الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، وأكثر من ترجم لهم من أهل المئة السابعة، ورتب تراجمهم على حروف المعجم.
[ ١ / ١٦ ]
- اقتصر في منهجه على التعريف بالأعيان؛ ممن عرفوا بفن من الفنون، أو امتازوا عن غيرهم بقرضهم للشعر أو نظمه.
- وقد أدرك ابن قاضي شهبة ما أراد الأُدْفُوِي في كتابه فقال: "وكتابه البدر السافر في مجلدين؛ فيه تراجم على أسلوب وفيات ابن خلكان، وغالب من ترجم فيه من كان في المئة السابعة، وفيه تراجم كثيرة ممن كان في المئة السادسة، وبعض من كان في الخامسة، وفيه فوائد وغرائب" (^١).
- انتقى مادته العلمية من مصادره التي يصرّح بها، إلا أنه كان يختصر النصوص المقتبسة اختصارًا شديدًا قد يُخِلُّ أحيانًا بالمعنى الذي أراده المؤلف الذي اقتبس منه أو اعتمد عليه، وقد حاولنا أن نعزو كل اقتباس إلى مصدره ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
- ولا يخلو الكتاب من تعقيبات للمؤلف وتوجيهات واختيارات تعكس مقامه العلمي.
واعتمد الأُدْفُوِي في جمع مادة كتابه على مصادر متنوعة لعلماء متقدمين عن زمنه وآخرين معاصرين له، فكان منها المفقود ومنها الموجود، وهي تشمل كتب التاريخ والتراجم والمشيخات والمعاجم والأدب، وغيرها من الدواوين الوثيقة الصلة بالمقصود، وغالبًا ما يصرّح بمصادره، ونذكر من هذه المصادر ما يأتي:
كتب ابن سعيد المغربي، وتشمل:
* كتاب المغرب في حلى المغرب، والتاريخ الكبير، والتاريخ الصغير، والمرقصات والمطربات، والغصون اليانعة، ورايات المبرزين.
* تاج المجامع والمعاجم للشهاب القوصي.
_________________
(١) طبقات الشافعية: (٣/ ٢١).
[ ١ / ١٧ ]
* خريدة القصر وذيلها للعماد الأصبهاني.
* نسيم البان في شعراء الزمان للوزان الأنصاري.
* أخبار الروضتين لأبي شامة والذيل على الروضتين له.
* وفيات ابن المفضل المقدسي.
* كتاب تحفة القادم وكتاب التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار.
* التكملة لوفيات النقلة للمنذري، وتاريخ مصر له.
* صلة التكملة لوفيات النقلة للحسيني.
* وفيات الأعيان لابن خلكان.
* تاريخ البرزالي (المقتفي على الروضتين).
* سير أعلام النبلاء للذهبي.
* تاريخ ابن الزبير الغرناطي.
* تاريخ إربل لابن المستوفي.
* تاريخ الإسكندرية لابن العمادية.
* تاريخ ابن الربيب الموصلي.
* تاريخ حلب لابن العديم.
* تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
* تاريخ مصر لابن ميسر.
* تاريخ القدس للكنجي.
* التاريخ الكبير لأبي الفضل التيفاشي.
* معجم شيوخ ابن مسدي.
* معجم شيوخ ابن كامل الخفاف.
* معجم شيوخ عبد المؤمن الدمياطي.
[ ١ / ١٨ ]