الحمد لله المتفرد بالبقاء، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، نبينا محمد وعلى آله وصحبه النُّجَباء، ومن سار على هديه واستنّ بسنته من الصلحاء.
أما بعد:
فإن فنّ التراجم من الفنون التي أبدع فيها علماء الإسلام؛ فأكثروا من وضع التصانيف الخاصة والعامة في التعريف بأعلام علماء الأمة، ونُبلائها، وصُلَحائها، وذكرِ أخبارهم، وأحوالهم، ومآثرهم، ومناقبهم، ولا شكّ أن من جملة الدوافع التي حفّزتهم إلى تدوينها ما جُبِلوا عليه من الوفاء لشيوخهم وأسلافهم، وما تقرّر لديهم من ضرورة نشر فضائلهم بين الناس، وتخليد ذِكْرهم والدعاء لهم بالخير في الأجيال اللّاحقة من أبناء الأمة.
ومن فوائد التصنيف في فنّ التراجم: أخذُ العبرة والعظة، وحسنُ الاقتداء بمن مضى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ومنها الاطلاع على مراتبهم في العلم والفضل، فنَأْمَنَ من تقديم الأَدْنَى على الأعلى؛ لا سيما عند تعارض أقوالهم وآرائهم، ومنها الاطلاع على مواليدهم ووفياتهم، ومعرفة أزمانهم وطبقاتهم؛ فنستطيع تمييز من تشابهت أسماؤهم، ونأمن من جعل المتقدم متأخرًا، والمتأخر متقدمًا.
[ ١ / ٥ ]
وتظهر أهمية كتب التراجم في كونها تتكامل مع كتب التاريخ؛ فمعظم كتب التاريخ لا نكاد نجد فيها سوى أخبار الحروب والثورات والجوائح؛ بينما تحفل كتب التراجم بمعلومات قَيِّمَة عن تاريخ أمتنا الفكري والاجتماعي والإداري والحضاري.
وفي هذا الإطار يَزُفُّ مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بمؤسسة الرابطة المحمدية للعلماء إلى عموم الباحثين والمهتمين بعلم التاريخ والتراجم كتاب: "البدر السَّافر عن أُنْسِ المسافِر"، لمؤلفه الإمام الفقيه المؤرخ الأديب كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر الأُدْفُوِي (ت ٧٤٨ هـ)، صاحب التصانيف المفيدة النافعة، مثل كتاب: "الطَّالع السَّعيد الجامع أسماء نُجَباء الصَّعيد"، وكتاب: "الإمتاع في أحكام السَّماع"، وكتاب: "الموفي بمعرفة التصوّف والصوفي"، وغيرها.
ويُعدّ كتاب البدر السافر من الأعلاق النادرة، والدواوين النفيسة في فنّ التراجم؛ فهو يشتمل على ما يُقَارب ستمائة عَلَم من أعيان المائة السابعة، وكذلك تضمَّن جملة وافرة من تراجم أهل القرن الخامس والسادس والثامن؛ ممَّن عُرفوا بفنّ من الفنون، أو كانت لهم كرامة أو مزية، والكتاب مُرتب على حروف المعجم، ولم يقتصر فيه مصنفه على التراجم المشرقية، بل شملت عنايته أيضًا تراجم أعلام المغرب والأندلس؛ من علماء، وفقهاء، ووزراء، وأطباء، وقضاة، وكُتَّاب، وشعراء، وأدباء، وغيرهم، وقد قاربت تراجمهم الرّبع من مجموع الأعلام المترجم لهم في هذا الكتاب.
[ ١ / ٦ ]
ومَيَاسِمُ نفاسة هذا العِلق الثمين عديدة، لعلّ أبرزها حِفظه لتراجم جملة من الأعيان على اختلاف انتماءاتهم العقدية والمعرفية؛ انتقى المؤلف مادّتهم من مصادر غميسة لم تزل في حكم المفقود، فحفظ لنا بذلك أسماء العديد من المصادر الضائعة، كاشفًا عن ملامحها من خلال نقوله واقتباساته منها؛ مثل: وفيات أبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي (ت ٦١١ هـ)، والتاريخ الكبير، لأبي الفضل التِّيفاشي (ت ٦٥١ هـ)، ونسيم البان، لأبي محمد عبد اللَّه بن عمر الوزان الأنصاري (ت ٦٧٧ هـ)، وتاريخ القدس، لشمس الدين الكِنْجي (ت ٦٨٢ هـ)، وتاريخ الإسكندرية، لابن العِمادية (ت ٦٧٣ هـ)، وتاريخ مصر لعبد العظيم المنذري (ت ٦٥٦ هـ)، والنجوم الدرية في الشعراء العصرية، لابن نشوان المصري (ت ٦٩٢ هـ)، وغيرها.
ومما يُميز الكتاب أيضًا اشتماله على تراجم موسعة لأعيان القرن الثامن، لا سيما شيوخ المؤلف وأقرانه؛ كما هو الحال في ترجمة شيخه أثير الدين أبي حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ)، فقد استغرقت ترجمته تسع ورقات من مخطوطة الجزء الثاني.
ومن فرائد الكتاب حفظه لأشعار غزيرة، وأجناس أدبية متنوعة، كالمُكَفِّر والدُّوبَيت والبُلَّيْقة وغيرها من أنواع الموشح والزَّجل، لا تكاد تجدها في مصدر غيره.
[ ١ / ٧ ]
وما زاد الكتاب أهمية وقيمة اعتناء أحد شوامخ المحققين في عصرنا الحاضر بتحقيقه؛ ألا وهو الأستاذ البحّاثة المحقق - خبير علم الاكتناه العربي الإسلامي - الدكتور قاسم السامرائي حفظه اللَّه، بالاشتراك مع الدكتور طارق طاطمي - وهو واحد من الباحثين الشباب النوابغ العاملين بمركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث - فجزاهما اللَّه خيرًا على جهودهما القيّمة في إحياء هذا الكتاب، وإعداده للنشر وتيسيره للمهتمين بعلم التاريخ والتراجم، في هذه الحُلَّة الموثقة المتميّزة.
ولا يفوتني أن أُنَوِّه بجميع الأساتذة الذين أسهموا من قريب أو بعيد في إعداد هذا الكتاب للنشر وأخصّ بالذكر الدكتور بوشعيب شبون، والأستاذ محمد فوزار، والعالم البحاثة الدكتور عبد اللطيف الجيلاني - رئيس المركز - الذي اقترح نشر الكتاب، وتولَّى تصوير بعض نسخه الخطية، وحَرَص على متابعة جميع مراحل إنجازه.
وإذ أسعد بتقديم هذا الديوان الماتع للقراء الكرام؛ فإنني أسأل الله ﷿ أن يجعله في سجلّ حسنات مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأيَّده وأعزّ أمره، والله الموفق لا ربّ سواه وهو يهدي إلى سواء السبيل.
الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء
الدكتور أحمد عبادة
[ ١ / ٨ ]