_________________
(١) في الأصل: الأبناء، ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) انظر ترجمته في: المغرب في حلى المغرب: (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، رايات المبرزين: (٧٦ - ٧٧)، تحفة القادم: (١٤٣)، تاريخ الإسلام: (٤٧/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و(٤٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، فوات الوفيات: (١/ ٢٠ - ٣٠)، الوافي بالوفيات: (٦/ ٥ - ١٠)، المنهل الصافي: (١/ ٦٧ - ٦٨)، نفح الطيب: (٣/ ٥٢٢ - ٥٢٧)، شذرات الذهب: (٧/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، كشف الظنون: (١/ ٧٦٣)، هدية العارفين: (١/ ١١)، معجم المطبوعات: (١/ ١٢٣)، الأعلام: (١/ ٤٢ - ٤٣)، معجم المؤلفين: (١/ ٣٧).
[ ١ / ٤٣ ]
كان يهوديا وأسلم، والله تعالى أعلم.
قرأ النحو على الأستاذين أبي علي الشَّلَوْبِين (^١)، وأبي الحسن الدَبَّاج (^٢).
وعانى الأدب فبلغ منه غاية الأرب، وفاق في الشعر على شعراء بلدته وهو في عنفوان شبابه وجدّته.
وقد ترجمه صاحبه الأديب الفاضل المؤرخ أبو الحسن علي ابن سعيد الأندلسي (^٣) في "تاريخه الصغير"، فقال عنه: إنه لم يشتهر بإشبيلية بعد ابن الصَّابوني (^٤) شاعرٌ اشتهارَه، ولا حاز انطباعه في الشعر واقتداره، هذا وما بلغ عمره العشرين، وخلقته بها تقتحمه عيون المحبّين والمبغضين، إذ صيغ في صورة ابن الصَّائغ (^٥)، وعيف كما يُعَاف سُؤرُ الكلب الوالغ.
قال: وكنت ممن قد قرأت معهُ على الأستاذ أبي الحسن الدَبَّاج زمانًا، وبادرنا أنواع اللذات ميدانًا وميدانًا، وكان مهوى هوانا، ومجمع لذاتنا ومنانا، لا نكاد نخلو من التفرج في تلك الأدواح والقصور، وظلّ الشباب ممدود، وهوى النفس مقصور، ومعنا
_________________
(١) الشَّلَوْبِينِي: بفتح الشين المثلثة واللام وسكون الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون: هذه النسبة إلى الشَّلَوْبِين وهو بلغة الأندلس الأبيض الأشقر. وفيات الأعيان: (٣/ ٤٥٢).
(٢) أبو الحسن علي بن جابر بن علي الدَّبَّاج - نسبة إلى صنعة أبيه - الإشبيلي النحوي المقرئ، شيخ القراء والنحاة بالأندلس، كان شيخا جليل القدر، مشهورا بالفضل، ساد أهل عصره في العربية، له كتاب في النسب، وآخر في تاريخ علماء الأندلس، توفي سنة ٦٤٦ هـ. المغرب في حلى المغرب: (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، الذيل والتكملة: (١/ ١٩٨ - ٢٠١)، سير أعلام النبلاء: (٢٣/ ٢٠٩ - ٢١٠).
(٣) هو أبو الحسن علي بن موسى بن محمد ابن سعيد العنسيّ الأندلسي، نور الدين، يعرف بابن سعيد المغربي، مؤرخ وأديب، توفي سنة ٦٨٥ هـ، وستأتي معنا ترجمته برقم (٣١٥). الإحاطة: (٣/ ١٦٣ - ١٦٦).
(٤) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن الصَّابوني الإشبيلي الشاعر، مات قبل سنة ٦٣٨ هـ. المغرب: (١/ ٢٦٨).
(٥) هو أبو بكر محمد بن يحيى بن باجّه التجيبي الأندلسي السرقسطي، المعروف بابن الصّائغ، من فلاسفة الإسلام، مات سنة ٥٣٣ هـ. سير أعلام النبلاء: (٢٠/ ٩٣ - ٩٤).
[ ١ / ٤٤ ]
من الوجوه الفَتَّانة ما يعين القرائح، ويأتي من البدائع بكل غادٍ ورائح، وعارض ذلك البلد الزاهي لم تشبه الشوائب، ولا عضّته أنياب النوائب، والعيش غضّ والزمان غلام، والدنيا تحية وسلام، وقال فيه:
وَلَا لَحظَ إلا راتِعٌ في خَميلَةٍ … وَنَهرٍ وَخَدٍّ بِالحَياء موَرَّدِ
وَلَا سَمعَ إلا سامِعٌ مَا يُرِيدُه … حَدِيثُ حَبيبٍ أَو أَغارِيدُ مُنْشِدِ
قال: وقُلتُ له يومًا في مجلس أُنْس وانشراح وسرور وأفراح: بحُرمَة ما بَيْننا من الودِّ إلا ما أَزَلت عني شَكَّ النَّاس فِيكَ وصَدَقْتني، هل أنت على دين الإسلام أو أنت على دين الأسلاف؟ فقال: للناس ما ظهر ولله ما استتر، وبعد فهذا أخلاق ما نحن فيه.
قال ابن سعيد: شعر
وَإنِّي لَأرْجو أن تَكُونَ وَفَاتُه … عَلَى مِلَّة الإسْلَام كَي مَا يُسَلَّما
وَألقاهُ في جَنّاتِ عَدْنٍ مُخَلَّدًا … فَلَيْسَ بأَهْلٍ أَن يَحُلَّ جَهَنَّما
ولابن سهل "ديوان" (^١) شعر، وقفت عليه ونقلت منه، ومن نظمه قوله: شعر
الأرضُ قَد لَبسَتْ رِدَاءًا خَضِرَا … وَالطلُّ يَنثُرُ في رُباهَا جَوْهَرَا
هاجَت فَخِلتُ الزَّهرَ كَافُورًا بها … وَحَسبتُ فيها التُّربَ مِسْكًا أذْفَرا
وَكَأنَّ سوسَنَها يُصافح وَرْدَها … ثَغرٌ يُقبِّل مِنهُ خَدًّا أَحْمرَا
_________________
(١) طبع مرارًا، منها طبعة بتحقيق يسرى عبد الغني عبد الله، دار الكتب العلمية ببيروت سنة ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م.
[ ١ / ٤٥ ]
وَالنَّهرُ مَا بَينَ الريّاض تَخالُه … سَيفًا تعلق مِن بِجاد أَخْضَرَا
وَجَرَت بِصَفحَتِه الرُّبَى فَحَسِبْتُهَا … كَفًّا تُنَمِّقُ في الصَّحِيفَة أَسْطُرَا
وَكَأنَّهُ إذ لاحَ ناصِعُ فِضَّة … جَعَلتهُ كفُّ الشَمسِ تِبرًا أصْفَرا
أو كَالخدُودِ بَدَت لَنَا مُبْيضَّةً … فَأرَتْكَ بالخَجَل البَياضَ مُعَصْفَرا
وَالطَيرُ قَد قامَت عَلَيه خَطِيبَةً … لَم تَتَّخِذْ إلا الأَراكَةَ مِنْبَرا
وقال أيضًا:
حُثَّ الكُؤوسَ وَلا تُطِع مَن لَاما … فَالأرض قَد سَقَت الرِيّاضَ غَمامَا (^١)
رقّ الغَمامُ لما بها إذْ أمحلَتْ … فَغَدا يُرِيقُ لَها الدُّمُوعَ سِجامَا
وَالبَرْقُ سَيفٌ والسَّحابُ كَتَائِبُ … يُبدِي لِوَقع غِرَارِهِ إحْجامَا
وَالدَّوح مَيَّادُ الغُصُونِ كَأنَّما … شَرِبَ النَّبَاتُ مِن الغَمَام مُدَامَا
والزَّهرُ يَرْنُو عن نَوَاظِرَ سَدَّدَت … لحَظَاتهِنَّ إلى الشُّجُونِ سِهَامَا
هُنَّ الكَوَاكِبُ غَيرَ أنْ لَم تَستَطِع … شَمسُ النَّهار لِضَوْئِهَا إبْهَامَا
تَثْنِي عَلى كَرَم الولَيِّ بنَفحَة … عَن مِسْك دَارين (^٢) تَفُضُّ خِتَامَا
_________________
(١) في الديوان المطبوع: (٧٣) بلفظ: رهاما.
(٢) دارين: ويقال دارون، ومعناها: عتيقة بالفارسية، وهي بلدة بالبحرين، يجلب إليها المسك من بلاد الهند، فتحت زمن أبي بكر، والنسبة إليها داريّ. معجم ما استعجم: (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، معجم البلدان: (٢/ ٤٣٢)، الروض المعطار: (٢٣٠).
[ ١ / ٤٦ ]
تَهْدِي الصَّبَا منهَا أريجًا مِثْل ما … يَهدِي المحِب إلى الحَبِيب سَلَامَا
فَكَأنَّها نَفسُ الحَبيب تَضَوُّعًا … وَكَأنها نَفْسُ المحِبّ سِقَامَا
وقال أيضًا:
غَيرِي يَميلُ إلى كَلام اللَّاحِي … وَيمدُّ رَاحتَهُ لغَيرِ الرَّاحِ
لا سِيَّما والغُصنُ يَزهَرُ زَهرُه … وَيهزُّ عِطْفَ الشَّادِن المرتَاحِ
وَقَدِ استَطارَ القَلب سَاجِعُ أَيْكَةٍ … مِن كُلِّ مَا أشْكُوه لَيسَ بِصَاحِ
قَد بَانَ عنهُ قَرينُه عَجبًا لهُ … مِن جَانِحٍ للعَجزِ خَلف جَنَاح
بَينَ الرِّيَاض وَقَد غَدا في مَأثمٍ … وَتخَالُه قَد ضَلَّ فِي أَفْرَاحِ
فَالآنَ وَقتٌ تُرفع الأكؤسُ قَد … آن اطّراحُ نَصِيحَة النصَّاح
وَعَلى العُرُوشِ مِنَ الغُصُون عَرَائسٌ … قَد وَشَحَتْ مِن زَهْرِهَا بِوِشَاحِ (^١)
وقال أيضًا:
لله نَهرٌ مَا رَأيتُ جَمالَه … إلا ذَكَرتُ لَدَيهِ نَهْرَ الكَوثَر
وَالشَّمسُ قَد ألقَت عَلَيه رِدَاءَها … فَترَاهُ يرفلُ فِي رِدَاءٍ أصْفَر
وَكَأنَّ مَا أيْدِي الرَّبيع عَشِيةً … حَلَّينَ لبات الغُصُون بجَوْهَر
وَكَأنَّ خُضرَ ثمارِه وبَيَاضه … ثغرٌ تَبسَّم تَحتَ خَدٍّ مُعْذَرِ
وقال أيضًا:
_________________
(١) في الديوان المطبوع: (٢٦) بلفظ: قد وشحت أعطافها بوشاح.
[ ١ / ٤٧ ]
نَهرٌ كَأن الشمس تَملكُ قَلبهُ … فَيجنُّ مِن دَاء الغَرام دَخِيلا
وَالرِّيح تُبدِي الثَّوبَ مِنهُ مُفرَّكا … وَالشَّمس تُلقَى صَارمًا مَسْلُولا
وَكَأنَّه ذُو فجعَة لفِرَاقِهَا … قَد ضَمَّ مِن خَوفِ الفِرَاقِ غَلِيلا
وقال في موسى وكان يهواه:
أمُوسَى لَقد أوْرَدتَنِي شَرَّ مَوْرِد … ومَا أَنَا فِرعَونُ الكَفُور الشَّرَائِع
سَحَرْتَ فُؤَادِي حِينَ أرسَلتَ … حَيَّة العَذَار وَقَد أغْرَقتَنِي فِي مَدَامِعي
وَمَا كنتُ أَخشَى أن تَكُونَ مَنِيَّتِي … بِكَفّكَ وَالأيَّامُ ذَاتُ بَدَائِع
وَوالله مَا يَلتَذُّ سَمعِي وَنَاظِرِي … بِغَيرِكَ إنسَانًا وَمَا ذَاكَ نَافِعِي
جَعَلْتَ عَليَّ الصَّبرَ ضَرْبةَ لَازِبٍ … وَحَرَّمتَ أن آتي إليكَ بِشَافِعِ
وَمَا أسَفِي أنِّي أمُوتُ وَإنَّما … حَذَارِيَ أن تُرمَى بِلَؤْمِ الطَّبَائِع
وقال أيضًا هذه القصيدة وهي دالَّة على إسلامه:
وَرَكْبٍ دَعَتْهُم نَحوَ يَثرِبَ نِيَّةٌ … فَما وَجَدَت إلا مُطِيعًا وَسَامِعا
يُسَابِق وَجْدَ العيس مَاءُ شُؤونهم … فَيفنُونَ بالشَّوق المدَى والمدَامِعَا
إذَا انعَطَفُوا أو رَجَّعُوا الذِّكرَ خِلتَهُم … غُصُونًا لِدانًا أو حَمَامًا سَوَاجِعَا
تُضِيءُ مِن التَّقوَى حَنَايَا صُدُورِهُم … وَقَد لَبسُوا الَّليلَ البَهِيم مَدَارِعا
تَكَادُ مُنَاجَاةُ النَبِيّ محُمَّدٍ … تَنِمُّ بهم مِسكًا عَلَى الشَمّ ذَائعَا
قلوبٌ عَرَفْنَ الحقَّ فَهِي قَد انطَوَت … عَليهَا جُنُوبٌ مَا عَرفْنَ المضَاجِعا
[ ١ / ٤٨ ]
خُذُوا القَلبَ يَا رَكْبَ الحِجَاز فَإنَّهُ … ثَوَى الجِسمَ في أسْر البِطَالَة كَانِعا (^١)
وَلا تَصْرفُوه إن قَفِلتُم فَإنَّه … أَمَانَتكُم أنْ لَا تَرُدُّوا الوَدَائِعا
مَعَ الجمَرَات ارمُوا فُؤَادِي فَإنَّه … حَصَاةٌ تَلقَّتْ مِن يَد الشَّوقِ صَادِعَا
تَخلّصَ أَقْوَامٌ وَأسْلَمَنِي الهَوَى … إلَى عِلَلٍ سَدَّت عَليَّ المطَامِعَا
وَحُطُّوا رَجَائي في رَجَا مَاء زَمْزَمٍ … وَخَلُّو المنَى تَجمَعْ عَلِيلًا وَنَافِعَا
وَهَذَا مَعِينُ النُّصْحِ إن كُنتَ وَارِدًا … وَهَذا دَلِيلُ الفَوزِ إن كُنتَ تَابِعَا
وقال أيضًا من نظمه ﵀:
يَقُولونَ لَو قَبَّلتَه لَاشْتَفَى الجَوَى … أَيَطمَعُ في التَّقبِيل مَن يَعشَقُ البَدْرَا
وَلَو غَفَلَ الوَاشِي لقبَّلْت نَعلَه … أنَزِّهُه أن أذكُر النَّحرَ والثَّغرَا
وَمَن لِي بِوَعْدٍ مِنهُ أَشْكُو مُخلِفَه (^٢) … وَمَن لي بِعَهْد مِنهُ أشْكُو بِه الغَدْرَا
وَمَا أنا ممّن يَسْتَحملُ الرِّيحُ سِرَّهُ … أَغَار حِفَاظًا أن أُبيحَ لَها سِرّا
يَقُول لي اللَّاحي وقد لجَّ في الهَوَى … لَيُلهِمُني في سَوء تَقرِيرِه الصَّبرَا
ألَم تَروِ: قد أصبر لكل مُلمةٍ … فقلتُ: أمَا تَروي لَعلَّ لَهُ عُذْرَا
إذَا فِئَة العذَّال جَاءَت بِسحرِهَا … فَفِي وَجْهِ مُوسَى آيَةٌ تُبطِلُ السِّحْرا
وقال أيضًا في موسى:
_________________
(١) كنع يكنع كنوعًا: إذا تقبض وانضم، والكنع هو تشنج في الأصابع وتقبض. العين: (١/ ٢٠٤)، جمهرة اللغة: (٢/ ٩٤٧).
(٢) في الديوان المطبوع: (٣٩): أشكو بخلفه.
[ ١ / ٤٩ ]
كَأنَّ الخَالَ في وَجَنَاتِ مُوسَى … سَوادُ العَتْبِ في نُورِ الوِدَادِ
وَخَطَّ بِصُدغِه للحُسْنِ نُونًا … فَنُقطَةُ خَدّه بَعْضُ المدَادِ
لَوَاحِظُه محُيّرَةٌ وَلَكِن … بِهَا اهْتَدَت الشُّجُونُ إلى فُؤَادِي
وقال فيه أيضًا:
صُعِقْتُ وَقَد نَاجَيتُ موسَى بِخَاطِري … فَأصبَحَ طَورُ الصَّبرِ من هَجْرِه دَكَا
وَقَالوا اسْلُ عَنهُ أو تَبدَّل بِه هَوىً … أبَعْدَ الهوى أبْغِي الجُحُودَ أو الشِّركَا
أنِفتُ لِذَاك الحُسنِ أن يَهجُرَ الحُلَى … فَنظَّمتُ مِن شِعرِي وَمِن أدْمعِي سِلكَا
جَلَا الجالُ في كَافُور خَدِّكِ مِسْكَه … فَنَمَّ بأشْوَاقِي مُنَمنِمُها الأذكَى
فَجُد لي بمسْكِ الخالِ يَا ظَبْي إنَّنِي … عَهِدتُ ظِبَاءَ المِسْك لَا تمسِّك المِسْكَا
وله فيه:
لاموا فلما لاح موضع صبوتي … قالوا لقد جئت الهدى من بابه
شرقت بدمعي وجنتي شوقًا إلى … ذي وجنةٍ شرقت بماء شبابه
حلو الكلام كأنما ألفاظه … يشربن عند النطق شهد رضابه
بالله يا موسى لقد لذَّ الهوى … أجهز ولا تبق الجريح لما به
هاروت أودع في لحاظك سحره … فأصاب قلبي منك مثل عذابه
صَحَّحت يأسي من وصالك مثلَ ما … قد صحَّ يأس الحرف من إعرابه
وهَوَى بعد موسى شابًا اسمه محمد، فسُئِل عن تركه موسى، فقال ما أنشدنا شيخنا
[ ١ / ٥٠ ]
أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، قال: أنشدنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الفتح بن علي الأنصاري الإشبيلي، قال: أنشدنا إبراهيم بن سهل، وقد سألناه عن تركه موسى وحبّه محمدًا، فقال: شعر
تركت هوى موسى لحب محمدٍ … ولولا هَدَى الرحمن ما كنت أهتدي
وما عن قِلىً مني تركت وإنما … شريعة موسى عُطِّلَتْ بمحمد
وهذان البيتان لغيره، ووقع فيهما تغيير.
قال الحافظ أبو عبد الله الأبار في كتابه "تحفة القادم": حدثني أبو سليمان ابن حَوط الله وغيره، عن الأستاذ أبي القاسم ابن غالب، قال: أنشدني أبو زيد عبد الرحمن السالمي (^١) الشاعر بقرطبة: / لنفسه، وقد ترك فتى اسمه عيسى وهوى فتىً اسمه محمد: شعر
تَسَلّيتُ عَن عِيسَى بحُبّ مُحمَّدٍ … هُدِيتُ وَلَولَا الله مَا كُنتُ أهْتَدِي (^٢)
وذكر البيت الثاني كما قدمته، وله الموشحة المشهورة، وهي قوله:
يَا لحظات للفتن … في كرّها أوفى نصيب
ترمي وكلي مقتل … وكلها سهم مصيب
اللّوم للّاحي مباح … أما قبوله فلا
_________________
(١) هو أبو زيد عبد الرحمن السالمي القرطبي الإستجّي الشاعر. تحفة القادم: (٨٠)، الوافي بالوفيات: (١٨/ ١٩٠).
(٢) تحفة القادم: (٨٠).
[ ١ / ٥١ ]
علقتها وجه صباح … ريق طلا عيني طلا
كالظبي ثغره أقاح … ممّا ارتعاه في الفلا
يا ظبي خذ قلبي وطن … فأنت في الحسن غريب
وارتع فدمعي سلسل … ومهجتي مرعىً خصيب
بين الَّلمَى والحَوَر … منها الحياة والأجل
شقّ رياض الخفر … من خدّها وجه الخجل
زرعته بالنظر … وأجتنيه بالأمل
بطرفها الساجي وسن … أسهر أجفان الكئيب
والردف فيه ثقل … خفَّ له عقل اللّبيب
أهدت إلى نار العتاب … برد اللَّمى وقد وقد
فلو لثمته لذاب … من زفرتي ذاك البرد
ثم لوت جيد كعاب … ما خلته إلا الغَيَد
في ترعة الظبي الأغن … وهزّة الغصن الرطيب
يجري لدمع جدول … وينثني منها قضيب
أأنت حورا أرسلك … رضوان صدقًا للخبر
قطعت القلوب لك … وقيل ما هذا بشر
أم الصفا مضنى هلك … من النوى أم الكدر
[ ١ / ٥٢ ]
حتى تزكيه المحن … أمر الهوى أمر عجيب
كأن حبي مندل … زاد بنار الهجر طيب
أغربت في الحسن البديع … فصار دمعي مغربا
شمل الهوى عندي جميع … وأدمعي أيدي سبا
فاستمعي عبدًا مطيع … غنى لبعض الرُّقبا
هذا الرقيب ما أسواه بظنّ … أيش لو كان الإنسان مريب
يا منيتي قم نعمل … ذاك الذي ظن الرّقيب
وله أشياء حسنة، وكل نظمه بديع.
توفي غريقًا في المركب التي غَرق فيها ابن خَلَّاص (^١)، ليلة الجمعة، سابع عشر جمادى الأولى، سنة خمس وأربعين وست مئة، وقيل: تسع وخمسين وست مئة.